Navigation

أحكام الطلاق الشرعي في ضوء فقه المسلمين في الغرب

د. محمد قطناني
إمام المركز الإسلامي لمقاطعة باسيك
ورئيس معهد المنارة للدراسات الإسلامية والعربية

بحث مقدم للمجلس الفقهي الإسلامي في أمريكا الشمالية
المنعقد في هيوسن/تكساس
بتاريخ: 22&23 من ذي الحجة 1439هـ
الموافق: 2&3 سبتمبر 2018م

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فهذا بحث في أهم مسائل الطلاق التي تواجه المسلمين في الغرب، خاصة ما يتعلق بالحقوق والواجبات وأنواع الطلاق لا سيما طلاق القاضي للضرر والشقاق والنزاع والخلع، وبيان الحكم في كثير من أنواع الطلاق السائدة بين الناس مما لا يقع أكثره، لعدم تحقق شروطه وضوابطه وآدابه لا سيما ما يتعلق بوجود النية في إيقاعه، وهو مما يحتاجه الأئمة والمفتون من جهة وعموم المسلمين من جهة أخرى.
وقد اعتمدت فيه بيان واقع المسملين في الغرب، وبيان إجراءات الزواج والطلاق في أمريكا، مع شيء من الاختصار دون الشرح والتطويل، وسيلحق به أبحاث أخرى توضح ما أبهم وتشرح ما أجمل إن شاء الله تعالى.
أسأل الله التوفيق والصواب والله نسأل أن يغفر كل زلل وأن يعفو عن كل خطأ.
وجاء في مباحث:
مقدمة
تعريفه لغة وشرعا
مشروعيته وحكمه
الحكمة من الطلاق
أنواع الطلاق
صيغ الطلاق وصيغة الخلع
أسباب الطلاق
ضوابط إيقاع الطلاق وآدابه
الطلاق السني والبدعي
ممن يقع الطلاق؟
الطلاق بقصد اليمين
الإشهاد على الطلاق
إجراءات الطلاق
طلاق القاضي المسلم، وأثره في حكم طلاق القاضي غير المسلم
الزواج والطلاق الشرعي والمدني وتكييفهما

مقدمة:
خلق الله الإنسان، وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، وأودع في كل منهما من الغريزة ما يجعله ينجذب للآخر، ليتم له التزاوج، ويحصل التناسل وبقاء النوع الإنساني في الأرض التي استخلف الله فيها الإنسان واستعمره فيها.
فشرع الله تعالى له الزواج، وعني بعقد الزواج عناية خاصة، وأضفى عليه من القدسية ما جعلته فريدا من بين سائر العقود والتصرفات، فاعتبره نعمة من أعظم نعمه، وآية من أدل الآيات على قدرته، وسنة من سنن أنبيائه ورسله.
ولذلك شرع له من الأحكام ما يحفظ ديمومته واستمراه، ويحفظه من الهدم أو الانهيار، فأقامه على المودة والرحمة والسكينة والتعاون والتآلف والحرص على الآخر ورعاية حاله وحاجاته، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} . وأقام الحياة الزوجية على تكافؤ الحقوق والواجبات والمسؤوليات وتكاملها وتوازنها، وتأسيسها على العدل والمعروف والإحسان، فقال سبحانه: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} ، وقال: {وعاشروهن بالمعروف} ، ثم بين مزيد الواجب الملقى على عاتق الرجل بقوله: {وللرجال عليهن درجة} ، فواجبه رعاية الزوجة وإمساكها بالمعروف وحفظها والإنفاق عليها وعلى الأولاد، كل ذلك ليحقق مصالح الزواج والأسرة العظيمة ويدرأ عنها المفاسد والأضرار. فإذا لم تقم العلاقة بين الزوجين بالمعروف على المودة والرحمة والإحسان، وعجز الزوجان أو أحدهما عن قيامه بما وجب عليه من مسؤوليات وحقوق للآخر، وأصبح الزواج عاجزا عن تحقيق مقاصد الزواج والمصالح التي نيطت به، وإذا أصبح استمراره سببا للضرر والظلم والشقاق والنزاع، وإذا وقع النفور والكره وعدم التفاهم بدلا من الرحمة والمودة والحب... بعد تنفيذ كل تشريعات المولى سبحانه وتعالى بحكمته وعدله ورحمته وأحكامه، وتوجيهاته ووصاياه، وما يجب على الزوجين فعله من أجل المحافظة على الأسرة وللإبقاء على الرابطة الزوجية ما أمكن، وما يجب أن تقوم عليه تلك الرابطة لتحقيق مقاصد زواجهما، من الوعظ والتشاور واستشارة أهل الصلاح وتحكيم المحكمين من أهل الخبرة والدين، فإن لم يستطيعا بعد كل ذلك أن يقيما شرع الله وحدوده، وتيقنا من ذلك، شرع الله الطلاق والتفريق بإحسان بأنواعه المختلفة درأ لتلك المفاسد والأضرار وتقليلا للشر ما أمكن، عملا بقاعدة اختيار أهون الشرين واختيار أقل الضررين.

تعريف الطلاق
الطلاق لغة:
التخلّي، والإرسال، والتسريح، والترك، والابتعاد، والسماحة، ورفع القيد .
شرعاً: حل عقد النكاح .
ويمكن تعريفه بأنه إنهاء الرابطة الزوجية الصحيحة بطريق مشروع.
وقد يكون باتفاق الزوجين أو إرادة أحدهما أو بتطليق القاضي.
ويمكن للرجل أن يوقع الطلاق باللفظ الدال على الطلاق إذا وقع بشروط صحيحة، وهو حق للمرأة إن اشترطته لنفسها عند العقد إن رضي الزوج بذلك، ولها أن تطالب به إذا وقع عليها ضرر أو أذى من الزوج، أو أن تفتدي نفسها بمال.
ويقع الطلاق على الزوجة إذا كانت محلاً له، بأن تكون الزوجية قائمة بينهما، أو تكون معتدة من طلاق رجعي، أو معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى، أو تكون معتدة بفرقة تعتبر طلاقاً.
ولا يقع الطلاق على المرأة إذا لم تكن محلاً له، فالمعتدة من فسخ الزواج بسبب عدم الكفاءة عند من يرى الكفاءة، أو لظهور فساد العقد، لا يقع عليها الطلاق؛ لأن العقد قد نُقض من أصله.
والمطلقة قبل الدخول لا يقع عليها الطلاق؛ لأن العلاقة الزوجية بينهما قد انتهت بمجرد التطليقة الأولى.
ولا يقع الطلاق على المعتدة من طلاق الثلاث؛ لأنها قد بانت منه.
ولا يقع الطلاق على من طُلِّقت وانتهت عدتها؛ لأنها بانتهاء العدة صارت أجنبية منه.
ولا يقع الطلاق على امرأة أجنبية ليست زوجة له؛ لأنها ليست محلاً له.
مشروعيته:
الطلاق عند تحقق أسبابه الشرعية ودواعيه وشروطه مشروع بالقرآن والسنة والإجماع.
قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَـاتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ ٱللَّهَ واعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيء عَلِيمٌ * وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَراضَوْاْ بَيْنَهُم بِالمَعْرُوفِ ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخِرِ ذلكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} .
وقوله تعالى: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} .
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {يَـا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَـاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} .
وقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} .
وفي السنة:
عن عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ. فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللّهِ. ثُمَّ قَالَ لعمر: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتي طَلَّقَهَا فِيهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً مِنْ حَيْضَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَذَلِكَ الطَّلاَقُ للِعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللّهُ)، وَكَانَ عَبْدُ الّلهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاَقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللّهِ" .
قال صلى الله عليه وسلّم لعمر: (مُرْهُ فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) .
وعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) . والمعنى أنها يجوز لها أن تطلب الطلاق لسبب مقبول شرعا.
وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ الطَّلاَقَ بَعْدَ النِّكَاحِ .

حكم الطلاق:
اختلف العلماء في أصل الطلاق هل هو الحظر أم الإباحة؟
اختلف الفقهاء في أصل هذه مشروعية الطلاق بين أن تكون في أصلها مباحة أم محظورة وانقسموا إلى قسمين:
القسم الأول: وهم جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، وهو رأي عند الحنفية قالوا: الأصل في الطلاق أن يكون محظورا، واستندوا في رأيهم إلى ما يلي:
1- قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن الله كان عليا كبيرا} .
2- وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أحل الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق) .
وفي رواية أخرى من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا معاذ ما خلق الله شئياً أحب إليه من العتاق ولا خلق الله شيئاً على وجه الأرض أبغض إليه من الطلاق) .
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تُطَلَّقُ النِّسَاءُ إِلاَّ مِنْ رِيبَة إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لاَ يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلاَ الذَّوَّاقَاتِ) .
قال الخطَّابي: "هذا في النكاح كره أن يكون الرجل كثير النكاح سريع الطلاق بمنزلة الذائق للطعام غير الآكل منه" .
القسم الثاني: وهذا رأي عند الحنفية، بأن الأصل في الطلاق الإباحة واستدلوا على ذلك بما يلي:
1- قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} .
وقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} .
2- فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث طلق زوجته حفصة رضي الله عنها.
3- فعل الصحابة رضي الله عنهم الذين ورد عنهم أن بعضهم طلق نساءه.
والراجح أن الأصل في الزواج الدوام والتأبيد، والأصل في الطلاق الحظر والمنع، ولا يباح إلا لسبب مشروع من الزوج أو الزوجة كسوء خلق او ضرر أو أذى، هذا هو الأصل، ولكنه مشروع لسبب مشروع، وقد يجعله ذلك السبب واجبا أو مندوبا أو مكروها أو مباحا بحسب الحال.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "نفس الطلاق إذا لم تدع إليه حاجة منهي عنه باتفاق العلماء، إما نهي تحريم أو نهي تنزيه. وما كان مباحًا للحاجة قدر بقدر الحاجة". وقال أيضًا: "الطلاق في الأصل مما يبغضه الله، وهو أبغض الحلال إلى الله، وإنما أباح منه ما يحتاج إليه الناس، كما تباح المحرمات للحاجة".
وصرح في موضع آخر بالحظر فقال: الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا. حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرّقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: "أنت أنت"، ويلتزمه" ، وقد قال تعالى في ذم السحر: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} . وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المختلعات، والمنتزعات هن المنافقات) ، وفي السنن أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة) .
وقال ابن عابدين في حاشيته: "الطلاق الأصل فيه الحظر، بمعنى: أنه محظور إلا لعارض يبيحه، وهو معنى قولهم: الأصل فيه الحظر، والإباحة للحاجة إلى الخلاص. فإذا كان بلا سبب أصلًا لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص، بل يكون حمقًا، وسفاهة رأي، ومجرد كفران النعمة، وإخلاص الإيذاء بها، وبأهلها، وأولادها. ولهذا قالوا: إن سببه الحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق، وعروض البغضاء الموجبة عدم إقامة حدود الله تعالى... فحيث تجرد عن الحاجة المبيحة له شرعًا يبقى على أصله من الحظر؛ ولهذا قال تعالى: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا} . أي: لا تطلبوا الفراق".
ونرى أن أكثر المعاصرين ذهبوا إلى هذا القول، قال عبد الكريم زيدان: "الراجح قول من قال: الأصل في الطلاق الحظر، ولا يباح إلا للحاجة المعتبرة شرعا" .
فلا بد إذن من تقييد الطلاق بالحاجة والضرورة وعدم إيقاع الضرر على الطرف الآخر أو على الأولاد، لأن للطلاق آثارا جسيمة نفسية واجتماعية وأسرية لا سيما في زماننا.
والطلاق بدون حاجة إليه فيه من الإضرار بالغير والتعسف في استعمال الحق ما لا يخفى، والإضرار والتعسف إثم لا شك فيه. فالأصل فيه المنع والتحريم لأنّه يضرّ بنفس الزّوج، ويضرّ زوجته كذلك، وفيه إزالة للمصلحة الحاصلة لهما، وفيه تضييع للمال وخراب الأسر.
هذا هو الأصل في حكمه وهو الحظر ، ولكنه قد يكتنفه الأحكام التكليفية الأربعة الأخرى، مثل كثير من الأحكام العادية كالزواج وغيره بحسب ما فيه من أسباب ومسوغات وحاجة وأثر وضرر وشروط وموانع وما يكتنفه من أحوال.
فهو محرم ممنوع شرعا كما ذكرنا سابقا إذا كان من غير سبب شرعي أو يترتب عليه مفسدة للأولاد والزوجة.
وقد يكون مباحا من غير كراهة إذا كان بالتراضي ولا يوجد ضرر أو أذى على أي منهما أو على الأولاد، وإن كنا نرى أن هذا يحمل على الكراهة أيضا وليس مطلق الإباحة.
وقد يكون واجبا كما في حال الشقاق والنزاع بعد استنفاد كل السبل للإصلاح، وفيما إذا رأى الحكمان ذلك، أو كأن يعلقها للإضرار بها، وموقعا إياها في الظلم وتضييع حقوقها. قال تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} . فالطلاق شرع لإزالة الضرر الواقع على الزوجين أو على أحدهما من استمرار علاقة زوجية لا تحقق مقاصد الزواج ولا يترتب على ذلك الطلاق ضرر أو ظلم أو مفسدة.
وقد يكون مستحبا كما إذَا كَانَ يُقَصِّرُ فِي حَقِّهَا وطلبت المخالعة والافتداء، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} .
وقد يحرم الطلاق بسبب آخر وهو وقوعه على غير سنة، وهُوَ طَلاَقُ الْبِدْعَةِ، وسيأتي تفصيله فيما بعد إن شاء الله تعالى.
فقد أمر الله عز وجل المؤمنين بالتقوى في كل شيء ومع كل أحد، ومن ذلك في إيقاع الطلاق، وقد أكثر القرآن من الأمر بالتقوى في موضوع الطلاق، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ، واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن..} . ومنع إخراجهن من بيوتهن ليس بعد وقوع الطلاق بل وقبل وقوعه بمعنى عدم التطليق، فلا يخرجوا المرأة من بيت الزوجية إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتعين سبب الطلاق.
والحظر في الطلاق ينطبق على الرجل والمرأة، فقد نهيت المرأة عن طلب الطلاق من غير بأس، فعَنْ ثوْبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقاً مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجَنَّةِ) . هذا هو الحق فلا يجوز الطلاق وطلب الطلاق إلا لسبب وغاية مشروعة، ويستوي في ذلك الزوج والزوج سواء بسواء.
================
الحكمة من الطلاق
شرع الإسلام الزواج ليكون مؤبدا وجعل التوقيت مبطلا له، وأحاطه بكل الضمانات التي تحفظه وتجعله يحقق مقاصده واغراضه، وأقامه على المودة والرحمة والتوافق والسكينة والثقة. ولما كان الإسلام دينا واقعيا يقر بطبيعة النفس البشرية وتغيرها وتقلبها وتغير أوضاع الناس وواقعهم، وقد يقع الشقاق والنزاع والتنافر والنفور واستحالة التوافق والانسجام، فقد شرع وسائل متعددة للحيلولة دون وقوع الطلاق من نصيحة ووعظ وتحكيم وتأديب وتدخل من الأهل لغرض الإصلاح والمحافظة على الأسرة والذرية، حتى إذا تعين الطلاق طريقا وحيدا لحل النزاع وحسم الخصومة، شرع الطلاق لأنه أهون الشرين والضررين.
فالطلاق إذا علاج إذا ما استحالت الحياة الزوجية المستقرة الصحيحة، واستحكمت المشاكل وتشعبت، فقد أمر الله عز وجل أن يكون الإمساك بالمعروف والمفارقة بمعروف وإحسان، فيكون الطلاق عند ذلك أن يكون حلا لمشكلة وإنهاء لخصومة، وإزالة لضرر، لا فتحا لباب المشكلات والخصومات كما هو الحال عند أكثر الناس، قال تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} . وقال: {فأمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} . وقال: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} .
فلا بد من بناء ثقافة فقه الاختلاف وحل الخصومات والأدب عند التنازع برد الأمر إلى الله ورسوله، وإلى القضاء الشرعي والأخلاق الإيمانية والتقوى. وأن يقع الطلاق بطريق لا يضر بالأبناء وحقوقهم، وحتى لا يكون الأبناء ضحية العناد والخصومة، بل لا بد من تطبيق قانون المعروف وحسن الخلق في أداء الحقوق وفيما يحقق مصلحة الأبناء. وأن يكون الطرفان حريصين على أداء الحقوق على أكمل وجه.
وكل أحكام الطلاق والتفريق شرعت ووضعت لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة وتطبيق قانون الموازنات بين المصالح والمفاسد، ووضعت أيضا لمنع ما يترتب على الطلاق من مفاسد وأضرار قدر الإمكان.
والأصل الركين في عقد الزواج عند الفقهاء أنه قد ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين، وعدم الإفتاء بوقوع الطلاق إلا إذا تيقنا من وقوعه وتحقق أسبابه، وأنه لا يجوز الإفتاء المستعجل بوقوع الطلاق في كل الأحوال والظروف دون تأكد وتثبت وتعين. وأنه لا يرفع عقد الزواج إلا إذا وجب حله ورفعه، وأن على الزوجين أن يحرصا على ديمومة الزواج وبقائه وأن يحلا مشكلاتهم بالحكمة والصبر والتحمل وضبط اللسان وحسن الكلام.
==================
أنواع الطلاق
تقوم الشريعة على الرحمة والحكمة والعدل والمصلحة، وتقصدهما في كل أحكامها، وتجعل التوازن والميزان أساس الأحكام كلها، حتى لا يقع ظلم ولا خلل، ولا ما يصادم الرحمة أو الحكمة في أي حكم من أحكامها. فقد جعل الله عز وجل الطلاق في يد الرجل ابتداء ، له الحق في إيقاعه من غير إذن الزوجة، وحكمة ذلك أن يحافظ على بقاء الأسرة، ويقلل من الطلاق ما أمكن، {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ، وجعله سبحانه وتعالى مكلفا تبعا لذلك بالمسؤولية والنفقة والرعاية للزوجة والأولاد. وجعل حق التطليق يترتب عليه واجبات ومسؤوليات مالية تمنعه من الاستخفاف بموضوع الطلاق أبدا. وجعل للزوج الحق أن يطلق زوجته طلقتين رجعيتين؛ بمعنى أنه يجوز إرجاعها له في العدة، فإن لم يرجعها تصبح بائنة بينونة صغرى لا تحل له إلا بمهر وعقد جديدين، فإن طلقها طلقة ثالثة فلا يجوز ردها إلا بعد أن تنكح زوجا غيره.
والأصل في الطلاق من الرجل أن يقع بالإحسان والمعروف، وأن يلتزم بآداب الإسلام وأخلاق القرآن وأن يتقي الله ربه في الزوجة والذرية، وألا يقوع الطلاق إلا للضرورة، وأن يسرحها بإحسان، وأن يعطيها حقوقها كاملة، وأن ينفق عليها في العدة ومتعة الطلاق ويعطيها المهر المؤخر. وأن يعطيها حضانة الأولاد وأجرة الحضانة ونفقة الحضانة.
لكن هذا الاختصاص بالطلاق للرجل قد يوقع الرجل في التعسف والظلم وإساءة استخدامه وإلحاق الضرر بالزوجة، ولذلك أجاز الشارع للزوجين أن يتراضيا معا بإيقاع الطلاق ويتفقا على الحقوق والواجبات وآثار الطلاق بالإحسان والمعروف.
وقد تطلب الزوجة الطلاق من زوجها فيرفض، فجعل للمرأة الحق أن تفتدي نفسها منه برد ما دفعه لها من المهر أو شيء من المال تعويضا له عما دفعه إليها، وهو ما يسمى بالخلع عند الفقهاء، قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
وجعل لها الحق أن ترفع أمرها إلى القاضي ليطلقها من زوجها للضرر، وأوجب على القاضي أن يجيبها إلى طلبها إذا ثبت لديه دعواها. ولها الحق عند ذلك كامل الحقوق بقدر إساءة الزوج وضرره.
كما جعل لها الحق أن تشترط لنفسها أن تطلق متى شاءت عند الحنفية . وأجاز للرجل أن يفوض امرأته بالطلاق متى شاءت، فاختلف فيما لو كان قبل الزواج او بعده، فبعد الزواج شرط لاغ لأنه وقع قبل الزواج .
وبناء على ذلك فالطلاق والتفريق خمسة أنواع وهي:
أولا: الطلاق الرجعي:
وهو الطلاق الذي يملك فيه الزوج الرجعة خلال العدة، وهما طلقتان، وهذا الطلاق لا يَحُل عقد الزواج، ويمكن الرجعة بالقول أو بالفعل. ولا يحتاج إلى رضا الزوجة ولا موافقتها لردها إن كان رجعيا وخلال العدة.
وإذا مات أحد الزوجين خلال العدة، فله حق التوارث من الآخر، وللزوجة حق النفقة في العدة، ولا تملك به المهر المؤخر حتى تنتهي العدة، فإذا انتهت العدة صار الطلاق بائنا بينونة صغرى، وعند الرد تحسب الطلقة بأنها أولى أو ثانية.
طلاق الزوج يقع رجعيا إلا في ثلاث حالات: قبل الدخول والخلوة الصحيحة، والطلاق مقابل مال، والطلاق المكمل للثلاث.

ثانيا: الطلاق البائن بينونة صغرى:
يقع الزواج بائنا إذا لم يرد الزوج الزوجة خلال العدة من طلاق رجعي، وانتهت العدة. ويزيل حق الاستمتاع ويحل المهر المؤخر ويمنع التوارث.
ومع ذلك فإن للزوجين حق استئناف الزواج من جديد بعد انتهاء العدة، ولكن باتفاق الطرفين ورضا الزوجة وبعقد ومهر جديدين.
قال الله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
وإذا وقع الطلاق قبل الدخول يقع بائنا أيضا. وكذلك يقع الطلاق بعوض وبالإبراء بائنا.

ثالثا: الطلاق البائن بينونة كبرى:
إذا وقعت الطلقة الثالثة كان الطلاق بائنا بينونة كبرى لا تحل له إلا أن تنكح زوجا غيره من غير نية لتحليلها لزوجها الأول "مما يسمى بالتيس المستعار"، فيطلقها وتنتهي عدتها، فإن شاءا رجعا وعقدا عقد زواج جديد.
قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

رابعا: طلاق القاضي أو التفريق القضائي:
الطلاق في أمريكا والغرب كله بيد القاضي، فلا يعتبر الطلاق إلا إذا وثق وسجل وصدر من قاض مدني. وهذا يشبه الوضع النهائي في المحاكم الشرعية، ذلك أن أمر الطلاق جليل وخطير، ويترتب عليه حقوق وواجبات وآثار، ولذلك ينبغي الإشهاد عليه وتوثيقه وتسجيله وجوبا وضرورة، أكثر من موضوع الزواج، لأن الزواج حال من الاتفاق والتوافق، أما الطلاق فخلاف وتخاصم واختلاف في الحقوق والواجبات، خاصة في حال الخلع والبينونة الصغرى والكبرى، ولا بد فيه بالنهاية من حكم قاض شرعي ومدني يبين الحالة الشرعية والقانونية والقضائية بينهما، ويتطلب إثبات ذلك توثيقه بإجراءات رسمية وقانونية، وربما يستلزم مرافعات قضائية ومحامين.
هذا الأمر بحسب القضاء المدني والوضع النهائي في المحكمة الشرعية، ولكن الوضع الابتدائي فإن الطلاق يقع من الزوج والزوجة خلعا ومنهما اتفاقا وتترتب عليه آثاره الشرعية، ولكن آثاره القانونية لا بد فيه من إصدار القاضي طلاقا مدنيا مسجلا وموثقا.
أما قصدنا بطلاق القاضي هنا فهو أن يطلق القاضي الشرعي الزوجة من زوجها متجاوزا سلطة الرجل في الطلاق، ويحكم بالتفريق بينهما بسبب طلبها للضرر والأذى على الزوجة الذي يقع عليها وغياب الزوج عن الأسرة وفقدانه وإيلائه وتحققه من ذلك، فإذا رفع الأمر إلى القاضي يحكم القاضي وجوبا إذا ثبت لديه أسباب الضرر قطعا، وإذا ما رفض الزوج الطلاق تعسفا، وهو أمر استثنائي للطلاق الذي جعله الله تعالى بيد الزوج ابتداء وطلب الزوجة افتداء. ويكون عندها للقاضي أن يستعمل ذلك الحق نيابة عنه، لأن السلطان والقاضي له نيابة وسلطة عامة تعطيه صلاحيات في إمضاء العقود والتصرفات الشرعية جبرا عن أصحابها عند التعسف في استعمال الحقوق أو الإساءة فيها، تحقيقا للمصلحة ودفعا للمفسدة والضرر وإقامة للعدل بين الناس.

خامسا: الخلع:
الخلع لغة: النزع، ومنه خلعت الثوب أنزعه. سمي الخلع خلعا لأنها كانت بالزواج لباسا له، فبالخلع تخلع لباسه ويخلع لباسها . وهو "افتراق الزوجين على عوض" كما عرفه الماوردي .
وعرفه ابن نجيم بأنه: "إزالة ملك النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو ما في معناه" .
وفي حاشية الدسوقي: الخلع شرعا: طلاق بعوض... ثم قال: هذا هو الأصل فيه وقد يكون بلا عوض إذا كان بلفظ الخلع .
وهو أن تفتدي الزوجة نفسها بالمال بالتراضي عليه بلفظ الخلع أو الطلاق أو المبارأة، بمعنى أن يتفق الزوجان على الطلاق مقابل دفع مال للزوج، أو رد ما أخذته منه، أو تنازلها عن بعض حقها من المهر المؤجل أو كله، ويكون ذلك بموجب اتفاقية يبرمها الزوجان.
والخلع مشروع لحاجة الناس إليه بوقوع الشقاق والنزاع وعدم الوفاق بين الزوجين، فقد تبغض المرأة زوجها وتكره العيش معه لأسباب جسدية خَلْقية، أو خلُقية أو دينية، أو صحية لكبر أو ضعف أو نحو ذلك، وتخشى ألا تؤدي حق الله في طاعته، فشرع لها الإسلام في موازاة الطلاق الخاص بالرجل طريقاً للخلاص من الزوجية، لدفع الحرج عنها ورفع الضرر عنها، ببذل شيء من المال تفتدي به نفسها وتتخلص من الزواج، وتعوض الزوج ما أنفقه في سبيل الزواج بها. وقد حصر جمهور العلماء أخذ الفدية من مال الزوجة مقابل الطلاق في حال النشوز وفساد العشرة من قبل الزوجة. ودل علي مشروعيته الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}. وقوله: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً} .
فقد نهى القرآن الأزواج عن أن ياخذوا شيئا مما آتوا أزواجهم عند الطلاق، ولكنه أباحها في هذه الحالة وهي طلب الزوج الطلاق والخلع، قال تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
وأصل مشروعيته من السنة حديث امرأة ثابت بن قيس المعروف وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى ، فيما رواه ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟) قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) . وهذا هو أول خلع في الإسلام.
وحكمه الأصلي الحظر كحكم الطلاق، فلا يجوز للمرأة أن تطلب الخلع إلا للضرورة. كما هو الحال في الطلاق، مر معنا ما جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة) . فالأصل فيه الحظر لكنه قد يكون مكروها وواجبا وقد يستحب كالطلاق .

ألفاظ الخلع:
طلب الطلاق من قبل الزوجة لزوجها او طلاق الرجل زوجته على عوض يسمى خلعا عند الفقهاء وسماه القرآن الافتداء.
ويقع الخلع بألفاظ الخلع، والمبارأة، والطلاق، والمفارقة، والصلح والفدية والمفاداة وغيرها مما يدل على الطلاق بعوض، كأن يقول الرجل: خالعتك بكذا، أو بارأتك وأبرأتك، أو فارقتك، أو طلقي نفسك على ألف، وتقبل المرأة. إلا أن اسم الخلع يختص عادة ببذلها له جميع ما أعطاها، والصلح ببعضه، والفدية بأكثره، والمبارأة بإسقاطها عنه حقاً لها عليه على خلاف بين المذاهب في ذلك.
وأساسه التراضي لأنه عقد فيه إيجاب وقبول.

مقدار الفدية:
اختلف في مقدار الفداء والعوض، قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها.
وأخرج عبد الرزاق عن علي أنه قال: لا يأخذ منها فوق ما أعطاها. وروي عن طاوس وعطاء والزهري وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق. وعن ميمون بن مهران: من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها ليدع لها شيئا .
وقال مالك: لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك، لكنه ليس من مكارم الأخلاق .
والصحيح عدم الزيادة عن المهر وما أعطاها، ففي رواية أخرى عن ابن عباس فقال: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، وإن شاء زدته، ففرق بينهما، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد .
وذهب الجمهور على أنه طلاق حكى ذلك الترمذي فقال: قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: إن عدة المختلعة عدة المطلقة.
وذهب بعضهم إلى أن فسخ، وهو قول الشافعي في القديم أنه فسخ وليس بطلاق، وصح ذلك عن ابن عباس وعن ابن الزبير، وجاء في تلخيص الحبير: عن ابن عباس قال: "الخلع تفريق، وليس بطلاق" .
وقت الخلع
لا يوجد خلع بدعي بمعنى ان يكون في حيض أو طهر قد مسها فيه، لأن منع الطلاق البدعي حتى لا تتضرر المرأة بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الأكبر، ومصلحتها بالخلع أكبر فلم يلتفت إلى ذلك.
ولا يستطيع الزوج أن يرجعها إلى عصمته إلا بإذنها ورضاها، لأنه يقع بائنا، وعدتها عدة المطلقة، ولا يتوقف على قضاء القاضي ، ولا يبطل به الشروط الفاسدة كإسقاط حق الحضانة، فالشرط يبطل وحده ويصح الخلع، ولا يبطل باقي الحقوق كالديون على بعضهما البعض، ويسقط معه النفقة والمهر المؤخر.

=========
صيغ الطلاق الذي يقع من قبل الرجل :
ينقسم الطلاق عند الفقهاء من حيث اللفظ إلى قسمين:
الأول: الطلاق الصريح: وهو ما كان بلفظ الطلاق وحده وما تصرَّف منه كطلقتك، أو أنت طالق، أو أنت مطلقة، أو علي الطلاق ونحو ذلك. ومثله الطلاق بالكتابة والإيميل والرسالة الهاتفية وغيرها ما دامت صريحة واضحة. ويقع بمجرد كتابتها وإرسالها للزوجة. وذلك إذا تحققت فيه شروط الطلاق التي سنراها فيما بعد.
واللفظ الصريح لا يحتاج إلى نية لوقوعه ، ولكن إذا قال: لم أنو الطلاق كما هو الحال في زماننا، فالأصل عند عامة الفقهاء أنه يقع باللفظ الصريح بدون حاجة إلى نية، لأنه موضوع للطلاق، فلو قال لزوجته أنت طالق، كان الفقهاء يفتون بوقوع الطلاق ولا يلتفتون إلى نية المطلق مطلقا، خاصة في مجال القضاء، ويقول بعضهم: تطلق قضاء ولا تطلق ديانة، والصحيح أنه لا بد من اعتبار النية في الطلاق كما في غيره، ولوكان اللفظ صريحا، وينظر إلى الأمور والشروط الأخرى اللاحقة حتى يكون طلاقا حقيقة، وأن ما لا يقع ديانة لا يقع قضاء في أمر الطلاق، ولكنه يقع طلاقا إن قصد به الطلاق ووقع صحيحا وبنية ومن غير غضب ولا دهش وبشروطه كما سنرى لاحقا.
الثاني: الطلاق بالكناية: وهو كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره، كقوله أنت بائن، أو الحقي بأهلك، أو اخرجي، أو اذهبي، أو أنت خَلِيّة، أو أنت بَرِيّة، أو خلَّيت سبيلك ونحو ذلك مما تعارف عليه الناس من ألفاظ قد تستعمل للطلاق.
ولا يقع الطلاق بالكناية إلا بالنية باتفاق الفقهاء ؛ لأنه لفظ يحتمل الطلاق وغيره، فإن نوى الطلاق وتحققت كل الشروط الأخرى لزمه، وإن لم ينوه فهو على ما نواه. والذي نراه أن أكثر هذه الألفاظ لا يقصد بها الطلاق وألا يفتى بوقوع الطلاق إلا إذا كان صريحا وتحققت شروطه، والله أعلم.
ومن قال لزوجته: أنت علي حرام، ففي الأصل عند الفقهاء القدامى هو على ما نواه من طلاق، أو ظهار، أو يمين. ولكنه في زماننا يكون يمينا ويفتى لصاحبه بكفارة يمين وهو مذهب الشافعية والحنفية والحنابلة وأكثر الصحابة .
وأما طلاق الغضبان ومن لا يقصد الطلاق بل التهديد والتخويف فإن الطلاق لا يقع ويحكم على أنه يمين.
وإذا نطق الزوج بالطلاق بلفظ الثلاث، بأن قال لزوجته أنت طالق بالثلاثة، أو بتكراره في جلسة واحدة فلا يقع الطلاق إلا واحدا إذا كان بنية التطليق ومن غير غضب وتحققت شروطه الأخرى.
ويجب على العلماء ان يعلموا الناس أن يتقوا الله في لفظ الطلاق الصريح والكنائي، وألا يستعملوه إلا للضرورة وأمام القاضي والمفتي، وألا يستعمل سلاحا مسلطا على رقبة الزوجة تهديدا ووعيدا.
والملاحظ أن أكثرما يقع من طلاق في زماننا، يقع في الغضب وبالاستفزاز من غير قصد ولا نية الطلاق، وفي ذلك إثم شديد، لعدم ضبط النفس عند الغضب، ولصدور تصرفات غير مشروعة فيه، ولاتخاذ آيات الله هزوا والتلاعب في دين الله {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} ، وجاء في منتصف آيات الطلاق: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} ، وقال القرطبي رحمه الله: معناه لا اخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزوفإنها جد كلها .

أسباب الطلاق
الناظر في أوضاع الجالية المسلمة في أمريكا يرى أن الطلاق في ازدياد مستمر، ذلك أن الزواج في الغرب عموما وفي العالم اليوم يعاني من مشاكل كثيرة من أسبابها ما مر بنا سابقا، حيث لا ينظر إلى مصلحة الأسرة أولا، ومن ثم سهولة الحصول على الطلاق وما يترتب عليه من أحكام توصل إلى تشتت الأسرة وضياع الأولاد.
أضف إلى ذلك مشكلات الثقافة العربية أو البلاد الإسلامية المختلفة فيجتمع على الأسرة أسباب متعددة تنتهي بمزيد من الطلاق ودمار الأسر.
للطلاق أسباب اجتماعية ونفسية ودينية وأخلاقية واقتصادية.. كثيرة جدا ومن أهم تلك الأسباب:
1. الجهل بأحكام الشريعة وعدالتها ومقاصدها.
2. الفهم الخاطئ لأحكام القرآن والسنة.
3. عدم الالتزام الديني والخلقي قبل الزواج وبعده.
4. عدم فهم طبيعة الزواج ومقاصده ومسؤوليته ودور الزوجين.
5. عدم فهم طبيعة الآخر وكيفية التواصل والتعامل معه.
6. كثرة الأعباء المالية.
7. عمل المرأة وعدم القدرة على التوازن بين العمل والأسرة ومتطلباتها.
8. اختلاف طبية دور المرأة في البيت والمجتمع.
9. عدم الإنفاق والبخل الشديد والإسراف والاختلاف في قضايا الإنفاق.
10. عدم القيام بحق الزوج والأولاد وإعطائهم الوقت الكافي.
11. عدم الواقعية في الزواج.
12. الغيرة الزائدة والشكوك.
13. العنف الأسري.
14. الاختلاف في طريقة التعامل مع الأولاد وتربيتهم.
15. تدخل الأهل.
16. الإدمان على المخدرات والمسكرات وبعض المعاصي خاصة الزنا.
17. طرق الاتصال الحديثة كالفيس بوك والتشاتنغ والانترنت وغيرها.
18. العلاقة الجنسية وعدم التوافق والإشباع الجنسي.
19. العلل والأمراض الجنسية.
20. قلة وجود المصلحين والحكماء وأهل الخبرة في الإصلاح.
21. عدم قبول الزوج الذهاب إلى التشاور عند مرشدي العائلة وأهل الإصلاح.
22. الانشغال الكثير من قبل الزوجين.
23. الزواج العرفي والزواج المصلحي والزواج الصوري....
24. الزواج للأوراق فقط.
25. القوانين الغربية التي لم تنظر لمصلحة الأسرة ولا لآثار القانون ونتئج تطبيقه خاصة في موضوع النفقة والأموال.
هناك أسباب أخرى لكن هذه أهم أسبابه.
أما أسباب الطلاق القضائي والقانوني
يوجد عدّة أسباب للطلاق واللجوء للقضاء من أجل التفريق بين الزوجين
وهي كما يلي:
الطلاق للشقاق والنزاع.
الطلاق لعدم الإنفاق.
الطلاق للغياب والهجر.
الطلاق للإيلاء والظهار.
الطلاق للحبس والفقد والغيبة.
الطلاق للعيوب.
الطلاق للعجز عن دفع المهر.
الطلاق لإباء الإسلام والردة.

ضوابط إيقاع الطلاق:
الناظر في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك اهتمام الشارع بموضوع الطلاق، فقد أحاطه بمجموعة من الآداب والضوابط، حتى يقع على وجه مشروع، وحتى يحقق أهدافه ومقاصده، ولا يترتب عليه مزيد من الأضرار، لأن الطلاق شرع للضرورة، وما جاز استثناء للضرورة، فيقدر بقدره، دفعا للضر وإزالة له ما أمكن. ذلك لأن الشارع الحكيم يريد الحفاظ على رابطة الزواجية، وعلى حقوق المرأة والأولاد فيه، وحتى يقوم على التريث والانتظار والأناة والحلم وحسن التفكير، لاتخاذ قرار الطلاق بعيدا عن الاستعجال وحالة الغضب من الزوج أو الزوجة.
ومن هذه الضوابط:
1. تقوى الله في الطلاق: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}.
وتتحقق التقوى في التحقق من سبب الطلاق، وكونه سببا مشروعا، ووقوعه على وجه مشروع، والتسريح بإحسان، إذا تعذر الإمساك بمعروف، والنظر في مآلاته ونتائجه...
2. رعاية المصلحة في إيقاعه وأن يكون له سبب قال ابن عباس: "الطلاق عن وطر" . وقال ابن حجر في شرحه: "أي أنه لا ينبغي للرجل أن يطلق امراته إلا عند الحاجة كالنشوز". وقال ابن القيم: معنى قول ابن عباس أي عن غرض من المطلق في وقوعه.
3. التروي والأناة في التطليق: وهذا يلاحظ من أمر التدرج في أمر الطلاق بالابتداء بالوعظ ثم الهجر ثم الحكمين ثم الطلقة الأولى ثم الرجعة وهكذا... {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} .
4. العمل على الإصلاح: ثال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا}، وقال: {والصلح خير} ، وقال: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} . وقال: {وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما} .
5. ارتباطه بالخوف من عدم إقامة حدود الله إمساكا وتسريحا، قال تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
وقال: {...فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .
6. الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان، قال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} .
7. حرمة الإضرار في الإمساك والتطليق، قال تعالى: {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن}. وقال: {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} .
8. ألا يطلق ثلاثا دفعة واحدة بكلمة واحدة أو كلمات في جلسة واحدة.
9. ألا يقع في الحيض أو النفاس. عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ للنبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلاً) .
10. وأن يكون في طهر لم يمسها فيه.
11. الإشهاد على الطلاق والرجعة.
12. ألا يكون في حال الغضب.
13. ألا يكون في الهزل.
14. أن يكون بينة {فإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}.
15. لعدتهن: ليس بدعيا.
16. أن يعطيها حقوقها من متعة ونفقة ومهر.
لا ينبغي اعتبار الطلاق السني فقط هو الطلاق الذي يكون في طهر لم يمسها فيه، ولا في حيض فقط، بل لا بد من اعتبار كل تلك الضوابط في الطلاق ليكون سنيا موافقا للشرع، وإلا كان بدعيا مخالفا وفيه الإثم والمعصية، أما مسألة وقوع الطلاق وعدمه امر آخر.
وهذه الأحكام بالنسبة لمن دخل بها زوجها، أما غير المدخول بها فيجوز طلاقها طاهراً وحائضاً، ولا يجوز طلاقها بالثلاث مجموعة أو مفرقة. ويجوز طلاق الحامل.

الطلاق السني والطلاق البدعي عند الفقهاء:
بين النبي صلى الله عليه وسلم طريقة الطلاق الصحيحة وغير الصحيحة، وهو ما يسمى بالطلاق السني والطلاق البدعي. ويكون الطلاق سنيا إذا انطبقت عليه الشروط الصحيحة التي تجعل منه طلاقا يحقق أغراضه ويقلل منه ويجعله مبنيا على الحكمة والتفكير العميق السليم. ويكون بدعيا بمخالفته التوجيهات في الكتاب والسنة، ولكن اعتبر الفقهاء الطلاق سنيا وبدعيا بناء على ما يلي:
1 - الطلاق السني:
هو أن يطلق الزوج امرأته المدخول بها طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، فإذا انقضت العدة ولم يراجعها طلُقت، ولا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين، وإن راجعها في العدة فهي زوجته. وإن طلقها ثانية فيطلقها كالطلقة الأولى، فإن راجعها في العدة فهي زوجته، وإن لم يراجعها طَلُقَت، ولا تحل له إلا بعقد ومهر جديدين. ثم إن طلقها الثالثة كما سبق بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره بنكاح صحيح، وهذا الطلاق بهذه الصفة وهذا الترتيب سُنِّي من جهة العدد، وسُنِّي من جهة الوقت. قال الله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، ثم قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .
ولا مانع من أن يطلق الزوج زوجته بعدما يتبين حملها طلقة واحدة. فطلاقها صحيح؛ لأنه في العدة المقررة شرعاً. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِراً أوْ حَامِلاً) .
فإذا تم الطلاق وحصلت الفرقة فيسن للزوج أن يمتعها بما يناسب حاله وحالها جبراً لخاطرها، وأداء لبعض حقوقها كما قال سبحانه: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} .
2 - الطلاق البدعي: هو الطلاق المخالف للشرع، وهو نوعان:
1 - بدعي في الوقت: كأن يطلقها في حيض، أو نفاس، أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها، وهذا الطلاق حرام واختلف في وقوعه كما سنرى، وفاعله آثم، ويجب عليه أن يراجعها منه إن لم تكن الثالثة.
وإذا راجع الحائض أو النفساء أمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها، ومن طلقها في طهر جامعها فيه أمسكها حتى تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها.
يقَوْلُ الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} . {أَحْصَيْنَاهُ} حَفِظْنَاهُ وَعَدَدْنَاهُ وَطَلاَقُ السُّنَّةِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَيُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) .
عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر ثم يُطلِّق بعدُ أو يمسك) .
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع .
2 - بدعي في العدد: كأن يطلقها ثلاثاً بكلمة واحدة، أو يطلقها ثلاثاً متفرقات في مجلس واحد كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. وهذا الطلاق محرم لكنه يقع إذا توافرت فيه الشروط الأخرى من نية وعدم غضب، وفاعله آثم، لكن الطلاق ثلاثاً بكلمة أو كلمات في طهر واحد لا يقع إلا طلقة واحدة.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةً، فَقَال؛ ثُلاَثٌ يُحَرِّمْنَهَا، وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ عُدْوَانٌ).
وفي موطأ مالك أنه بلغه أن رجلاً قال لابن عباس: إني طلقت امرأتي مائة مرّة فماذا ترى عليّ؟ فقال ابن عباس: طُلِّقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزواً . وفي رواية قال: ثَلاَثٌ مِنْهُنَّ يُحَرِّمْنَ عَلَيْهِ، وَمَا بَقِيَ فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ.
وخرّج الدارقطنيّ من حديث إسماعيل بن أبي أُمية القرشي عن عليّ قال: سمع النبيّ صلى الله عليه وسلّم رَجُلاً طلق البتة فغضب وقال: (تتخذون آيات الله هزواً أو دِين الله هزواً ولعباً من طلق البتة ألزمناه ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره) .
والحكمة من ذلك التوجيه والإرشاد أن يجعل الطلاق من خلال تحديد وقته وكيفيته وعدده مبينا على التفكير وحسن النظر، لا الغضب والاستعجال ثم الندم بعد فوات الأوان.

هل يقع الطلاق البدعي؟
الثابت أن الطلاق في الحيض والبدعي في الوقت أو العدد أنه مختلف فيه، وليس مجمعا على عدم وقوعه، وجمهور أهل العلم على وقوع الطلاق البدعي وأنه يحسب طلقة واحدة، ولكنه يؤمر بمراجعتها كما مر معنا. ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلاق حال الحيض محرم لكنه لا يقع، لأن النهي عن الشيء يقتضي فساده، ولا يعتبر شيئا يعتد به، وإلى هذا ذهب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله وقالا: إن طلاق الحائض لا يقع ولا يحسب من الطلاق.
والصحيح الذي ينبغي العمل به والتعويل عليه هو الأخذ بالراجح من الأقوال لقوة الدليل من جهة وصحة التطبيق وتنزيل الحكم الشرعي من جهة أخرى، ولو كان خلاف قول الجمهور، لأن قول الجمهور ليس بإجماع كما قال ابن القيم: فإن الخلاف في وقوع الطلاق المحرم لم يزل ثابتا بين السلف والخلف، وقد وهم من ادعى الإجماع على وقوعه، وقال بمبلغ علمه، وخفي عليه من الخلاف ما اطلع عليه غيره، وقد قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا". وروى حديثا عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض: قال ابن عمر: لا يعتد بذلك" . ونقل عن خلاس بن عمرو أنه قال في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال: لا يعتد بها .
والذي عليه أكثر علماء العصر وما يجب العمل به في عصرنا هو عدم الاعتداد بالطلاق البدعي، لقوة أدلته، وتيسيرا على الناس الذي يوقعون الطلاق كل يوم من غير أناة ولا حلم، ولكثرة وقوع الطلاق في زماننا من غير قصد ولا إرادة، وحتى لا يبحثوا عن مخارج غير شرعية يضطرون لها كزواج التحليل وغيره، فضلا عن اتفاق القول بعدم وقوعه مع العلل والحكم والمقاصد الشرعية التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم وقول ابن عمر: لا يعتد بذلك.
ممن يقع الطلاق؟
يقع الطلاق من الزوج كامل الأهلية العاقل البالغ المختار اختيارا صحيحا الواعي لما يقول، مريدا قاصدا إيقاع الطلاق، فلا يقع طلاق السفيه ولا طلاق السكران ولا المخطئ ولا المكره ولا الغضبان ولا الهازل ولا المهوش ولا ممن لا يقصده ويعنيه. والأصل العظيم أن الزواج ثبت بيقين فلا يخرج منه ولا يحل إلا بيقين مثله، فلا يجوز أن يفرق بين الزوجين بشك أو شبهة أو قول ضعيف.
وتفصيل ذلك:
1- طلاق المكره:
المكره لا يقع طلاقه ؛ لأنه مسلوب الإرادة، فهو غير قاصد للطلاق، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه بتنفيذ أمر المكره له. قال الله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} .
وَقَدْ أَفْتَى الصَّحَابَةُ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَإِقْرَارِهِ، فَصَحَّ عَنْ عمر أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الرَّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا أَوْجَعْتَهُ أَوْ ضَرَبْتَهُ أَوْ أَوْثَقْتَهُ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا تَدَلَّى بِحَبْلٍ لِيَشْتَارَ عَسَلًا، فَأَتَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: لَأَقْطَعَنَّ الْحَبْلَ أَوْ لَتُطَلِّقَنِّي. فَنَاشَدَهَا اللَّهَ فَأَبَتْ فَطَلَّقَهَا، فَأَتَى عمر فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى امْرَأَتِكَ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ. وَكَانَ علي لَا يُجِيزُ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ، وَقَالَ ثابت الأعرج: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ وابن الزبير عَنْ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، فَقَالَا جَمِيعًا: لَيْسَ بِشَيْءٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا رَوَاهُ الغازي بن جبلة عَنْ صفوان بن عمران الأصم عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ رَجُلًا جَلَسَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى صَدْرِهِ وَجَعَلَتِ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ، وَقَالَتْ لَهُ: طَلِّقْنِي أَوْ لَأَذْبَحَنَّكَ، فَنَاشَدَهَا فَأَبَتْ، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (لَا قَيْلُولَةَ فِي الطَّلَاقِ) .

2- طلاق الغضبان:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغضب، والنهي عنه نهي بأن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وألا يتصرف خلال الغضب يقع على غير وجه مشروع، فيوقع الإنسان في الندم والحزن، ويجب على المكلف أن يلتزم بوصية النبي صلى الله عليه وسلم ويأثم إذا خالفها، ويحاسب على ما يصدر منه من كفر، أو قتل، أو طلاق أو غيره، لكن إذا اشتد الغضب بالإنسان بأن وصل إلى درجة لا يدري فيها ما يقول ويفعل ولا يقصده فإنه لا ينفذ تصرفه، ولا يقع طلاقه؛ لأنه مسلوب الإرادة.
ودليل المسألة حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ) .
والإغلاق قال الإمام أحمد: يَعْنِي الْغَضَب ، وَقَالَ أبو داود في سننه: أَظُنُّهُ الْغَضَبَ، وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ: "بَابُ الطَّلَاقِ عَلَى غَلَطٍ". وَفَسَّرَهُ أبو عبيد وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ الْإِكْرَاهُ، وَفَسَّرَهُ غَيْرُهُمَا بِالْجُنُونِ، وَقِيلَ: هُوَ نَهْيٌ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَيُغْلَقُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ، كَغَلَقِ الرَّهْنِ، حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ.
قال ابن القيم: قَالَ شَيْخُنَا: وَحَقِيقَةُ الْإِغْلَاقِ أَنْ يُغْلَقَ عَلَى الرَّجُلِ قَلْبُهُ، فَلَا يَقْصِدُ الْكَلَامَ، أَوْ لَا يَعْلَمُ بِهِ، كَأَنَّهُ انْغَلَقَ عَلَيْهِ قَصْدُهُ وَإِرَادَتُهُ. قُلْتُ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ: الْغَلْقُ: ضِيقُ الصَّدْرِ، وَقِلَّةُ الصَّبْرِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ مَخْلَصًا، قَالَ شَيْخُنَا: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالْمَجْنُونِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ أَوْ غَضَبٍ، وَكُلُّ مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِمَا قَالَ.
وعمم البخاري رحمه الله في عدم وقوع الطلاق في الإغلاق ...فقال: باب الطَّلاَقِ فِي الإِغْلاَقِ، وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا، وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ في الطَّلاَقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ، لِقَوْلِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: (الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى). وَتَلاَ الشَّعْبِي: {لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَمَا لاَ يَجُوزُ مَنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ. وَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ: (أَبِكَ جُنُونٌ). وَقَالَ عَلِىٌّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَىَّ، فَطَفِقَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَلُومُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ: هَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِى فَعَرَفَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ: لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلاَ لِسَكْرَانَ طَلاَقٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلاَقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِز. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لاَ يَجُوزُ طَلاَقُ الْمُوَسْوَسِ. وَقَالَ عَلِىٌّ: وَكُلُّ الطَّلاَقِ جَائِزٌ إِلاَّ طَلاَقَ الْمَعْتُوهِ .
والأصل فِي طَلَاقِ الْهَازِلِ وَزَائِلِ الْعَقْلِ وَالْمُكْرَهِ حَدِيث ابْنِ عَبَّاسٍ: (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: "يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ نِصْف الْإِسْلَام، لِأَنَّ الْفِعْل إِمَّا عَنْ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ أَوْ لَا؛ الثَّانِي: مَا يَقَعُ عَنْ خَطَأٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ إِكْرَاهٍ، فَهَذَا الْقِسْم مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ الْإِثْم، أَوْ الْحُكْم، أَوْ هُمَا مَعًا؟ وَظَاهِر الْحَدِيث الْأَخِير -أي رفع الإثم والحكم-، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ كَالْقَتْلِ فَلَهُ دَلِيل مُنْفَصِل" .
3- طلاق السكران:
السكران الذي وصل إلى درجة الهذيان، وخلط الكلام، ولا يعي ما يقول أثناء سكره لا يقع طلاقه؛ لعدم توافر القصد، فهو فاقد العقل كالمجنون، وعبارته ملغاة لا قيمة لها لعدم أهليته، قال ابن المنذر: الثابت عن عثمان ولا أعلم أحدا من الصحابة خالفه، وقال أحمد: حديث عثمان أرفع شيء في الباب.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} .
ولكن إذا قام بفعل فيه أذى أو ضرر أو خافت من نتيجة سكره، فيجوز للزوجة أن تطلب الطلاق ويطلقها زوجها لذلك.
وَصَحَّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ لِمَجْنُونٍ، وَلَا سَكْرَانَ طَلَاقٌ".
وَقَالَ عطاء: "طَلَاقُ السَّكْرَانِ لَا يَجُوزُ"، وَقَالَ ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ: "طَلَاقُ السَّكْرَانِ لَا يَجُوزُ". وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ".
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَكْرَانَ طَلَّقَ، فَاسْتَحْلَفَهُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: لَقَدْ طَلَّقَهَا وَهُوَ لَا يَعْقِلُ، فَحَلَفَ، فَرَدَّ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَضَرَبَهُ الْحَدَّ.
وَهُوَ مَذْهَبُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وحميد بن عبد الرحمن، وربيعة، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وعبد الله بن الحسن، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ المزني وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَذْهَبُ أحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا مَذْهَبُهُ، وَصَرَّحَ بِرُجُوعِهِ إِلَيْهَا.

4- طلاق الهازل:
الهازل: هو الذي يتكلم ولا يقصد الحقيقة كأن يطلق زوجته هازلاً ولاعباً، فهذا آثم.
واختلف العلماء في وقوع طلاق الهازل، فذهب الجمهور إلى وقوعه، واستدلوا بما رواه أَبِو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ‏‏قَالَ‏: ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏: (ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ) . وهذا محمول على الترهيب من التساهل بأمر الزواج والطلاق، والتحذير من التلاعب فيهما. ولا يعني بحال غض النظر عن النية والمقصد لأن أكثر الأعمال مبناها على اعتبار النيات بما تقرر في الأصول والقواعد المستقرة في الفقه عند جميع الفقهاء، ولا بد من الجمع بين الأدلة وليس إيقاع التناقض بينها، والجمع بينهما أنه توجيه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا جادين في استعمال موضوع الزواج والطلاق وألا يتلاعبوا فيه لخطرهما وإمكان أن يترتب على ذلك تنازع وضرر وإضرار، وأن الإنسان قضاء كما هو ديانة، محاسب على ألفاظه فقد يرفع الأمر إلى القضاء ويبنى عليه أحكام غير مقصودة ولا مرادة. ومن ثم يقع المكلف بالإثم والرحج.
والذي نراه ألا يعتد بطلاق الهازل إذا تبينا هزله وتأكدنا من ذلك، لأن الهزل يعني عدم القصد وعدم العزم والنية على الطلاق، وقد قال تعالى: {فإن عزموا الطلاق}، مما يؤكد ان الطلاق يحتاج إلى عزم ونية، والمؤكد ان الأعمال معتبرة بالنيات والمقاصد، والطلاق عمل يفتقر إلى نية، والهازل لم يقصد الطلاق والعبرة بالقصد في الألفاظ والتصرفات، لكنه مع الإثم والوعيد على هزله بالطلاق لقوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} .

5- طلاق المخطئ:
المخطئ: هو الذي يريد أن يتكلم بشيء فيزل لسانه ويتكلم بغيره كأن يريد أن يقول لزوجته: أنت طاهر، فقال خطأ: أنت طالق. فهذا لا يقع طلاقه؛ لعدم القصد والإرادة. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ).
ذهب الحنفية إلى عدم وقوعه ديانة ووقوعه قضاء، بمعنى إذا اختلف الزوجان فيؤخذ به قضاء ، والصحيح ألا يقع ويؤخذ بقوله ويمينه بأنه أخطأ ولم يقصد ذلك.

6- طلاق المريض مرض الموت:
مرض الموت: هو المرض الغالب فيه موت صاحبه عادة إذا اتصل به الموت، فإذا طلق الرجل المريض مرض الموت وقع طلاقه كالصحيح، فإن مات المطلق من ذلك المرض ورثته المطلقة ما دامت في العدة من طلاق رجعي؛ لأن الرجعية زوجة، ولا ترثه البائن.
وإن طلق امرأته في مرض الموت ثم ماتت لم يرثها وإن ماتت في العدة، وإن طلق زوجته طلاقاً بائناً، ثم مات الزوج أثناء العدة، فإن طلاقه لا يقع؛ لأنه قصد حرمانها من الإرث، وهذا ضرر محض، فعوقب بنقيض قصده فترثه، سواء مات في العدة أو بعدها.

7- طلاق الشاك:
من شك في أصل الطلاق، هل طلق أم لا، لم تَطلقْ امرأته؛ لأن النكاح ثابت بيقين، فلا يزول إلا بيقين، ولا يُحكم بزواله بالشك.
ومن شك في عدد الطلاق بنى على اليقين وهو الأقل، فمن شك هل طلق ثلاثاً أم واحدة، يُحكم بوقوعه طلقة واحدة؛ لأنه المتيقَّن، وفي الزيادة شك
ومن شك في صفة الطلاق، هل طلقها رجعية أو بائناً، يُحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقنة، واليقين لا يزول بالشك.
ولا يقع الطلاق الذي يحدث به الإنسان نفسه، فهو معفو عنه، حتى يتلفظ به ويقصده، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ).
8- طلاق المعتوه:
وَرَوَى ابْن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ) .
قال في القاموس: معتوه: نقص عقله، أو فقد، أو دهش، وقال الجزري في النهاية: المعتوه هو المجنون المصاب بعقله، وقد عته فهو معتوه.
و(المغلوب على عقله) تفسير المعتوه وأورد صاحب المشكاة هذا الحديث بلفظ: والمعتوه، قال القاري: كأنه عطف تفسيري ويؤيده رواية المغلوب بلا واو .
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عن عمرو بن شراحيل المعافري، أَنَّ امْرَأَةً اسْتَلَّتْ سَيْفًا فَوَضَعَتْهُ عَلَى بَطْنِ زَوْجِهَا وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَأُنْفِذَنَّكَ أَوْ لِتُطَلِّقَنِّي، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ فَأَمْضَى طَلَاقَهَا. وَقَالَ علي: "كُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله) . قال أبو عيسى: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله .
وأما السفيه فيقع طلاقه عند الجمهور بحسب إرادته وقصده .

9- الطلاق بقصد اليمين:
هل يقع الطلاق إذا كان معلقا على شرط القصد منه الحلف واليمين؟
ابتليت الأمة بكثرة وقوع الطلاق اللفظي من غير قصد ونية، والحلف بالطلاق، وتعليقه على امور تافهة جدا، كالذهاب والإياب والدخول والخروج والزيارة وعدمها، وقد يقع في اليوم مرات كثيرة جدا، وهو من أكثر ما يتعرض له المفتون والأئمة من أسئلة يومية، مما يدل على أنه أمر عمت به البلوى، وكثرت به البلية.
وذهب بعض المنتسبين للفتوى والآخذين بحرفية النص والألفاظ دون النظر في حكمة التشريع ومقاصده ودلالات الألفاظ ومعانيها، فأوقعوا هذا الطلاق اللفظي وأعملوا تلك الألفاظ دون أن ينظروا في المعاني والنيات والمقاصد، وحملوها على غير ما وضعت له في عرف الناس، مما أوقع طلاقا وفراقا بين زوجين ثبت زواجهما بيقين فأبطلوه بشك وشبهة ومن غير دليل. وأصبح الناس والأزواج في حرج من شعور بالحرمة وعقدة الذنب والمعصية، وأن أولادهم أولاد زنا إن هم استمروا في حياتهم الزوجية، أو الذهاب إلى الطلاق ومن ثم القضاء على مستقبل الأسرة وضياع الذرية، لا سيما في زمان تعقدت فيه الأمور واضطربت فيه الأحوال، وكثرت فيه الأخطار والفتن وزادت المسؤوليات والحاجات.
لقد تقرر لدينا أن الأصل في الطلاق وغيره من تصرفات المكلفين قاعدة "اليقين لا يزول بالشك" ، وهي قاعدة عظيمة ينبني عليها ما لا يحصى من الفروع الفقهية وتدخل في أكثر أبواب الفقه.
قال السيوطي: هذه القاعدة يتفرع عليها مسائل من الطهارة والعبادات والطلاق وإنكار المرأة وصول النفقة إليها واختلاف الزوجين في التمكين من الوطء والسكوت والرد، واختلاف المتبايعين ودعوى المطلقة الحمل وغير ذلك .
وكذلك قاعدة: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني، فقد يقصد في لفظ الطلاق اليمين عرفا، وعند ذلك لا بد من اعتباره يمينا، ويعرف ذلك من النية واللفظ والتعليق، والقرائن اللفظية، وهذا معلوم في العقود وأمر متفق عليه بين المذاهب، ويشمل ذلك المقاصد العرفية المرادة للناس في اصطلاح تخاطبهم، فإنها معتبرة في تعيين جهة الألفاظ والعقود، فيحمل كلام كل إنسان على لغته وعرفه، وإن خالفت لغة الشرع وعرفه، كانعقاد البيع والشراء بلفظ الأخذ والعطاء، فالاعتبار في الكلام بمعناه لا بلفظه، واختلاف الألفاظ والعبارات لا يؤثر في تفعيل كلام الناس، لأن إعمال الكلام أولى من إهماله.
وقد ذهب ابن تيمية وابن القيم وجمع من العلماء إلى أنه يمين وليس طلاقا، وأنه لغو من جهة الطلاق، لعدم قصده. قال ابن القيم: ولو قصد بالطلاق اليمين والحلف على شيء، فَلَا تعتبر طَالِقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُطَلِّقَهَا، وَبِهَذَا أَفْتَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، حَتَّى إِنَّ أحمد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} .
واللغو كما هو معروف إما بالخطأ في اليمين وإما أن يجري على اللسان مما لا يقصده، وقد رفع الشارع الحكيم المؤاخذة به لعدم قصد الحالف اليمين أصلا، وهذا تشريع من الله لعباده حتى ينظروا إلى المقاصد والنيات والحقائق والمعاني في الألفاظ وليس إلى ظاهرها فقط.
فهم ذهبوا إلى أنه طلاق لفظا ولكنه يمين معنى ومقصدا وحققة فأوجبوا فيه الكفارة.

وذهب الظاهريّة إلى القول بأن يمين الطّلاق أو الحلف بالطّلاق أو الطّلاق المُعلّق لغو لا يقع أصلاً حتّى لو حدث الأمر الذي عُلّق الطلّاق على حدوثه. يقول ابن حزم: "واليمين بالطّلاق لا يُلزم - سواء بَرّ أو حَنَث -، ولا يقع به طلاق، ولا طلاق إلّا كما أمر الله عزّ وجل، ولا يمين إلّا كما أمر الله عزّ وجلّ على لسان رسوله عليه الصّلاة والسّلام" .
وحجة من اعتبره يمينا لا طلاقا ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه: "الطّلاق عن وطر، والعتق ما ابتُغِي به وجه الله" . أي إنّ الطّلاق لا يقع طلاقاً إلا بإرادة المُطلَق لإيقاع الطّلاق.
وورد عن أم المؤمنين السّيدة عائشة وأم المؤمنين حفصة وأم المؤمنين أم سلمة ومعهم ابن عباس رضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً قالوا: "أفتوا ليلى بنت العجماء بأن تُكفّر عن يمينها حينما أقسمت بالعتق، والطّلاق أولى بالتّكفير من العتق" .
قال ابن القيم: "إن إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا، وإنما المحفوظ إلزام الطلاق بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في صحيح البخاري عن نافع قال: طلق رجل امرأته ألبتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء، فهذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا، وأما من يفصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب، فإنهم صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صور، وصح عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتوا به في النوعين، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها.." .

الطلاق المعلق على شرط
ذهب الجمهور إلى وقوع الطلاق المعلق على شرط يقع إن حصل ما عُلِّق عليه لفظ الطلاق، ولا عبرة بنيّة صاحبه أو قصده؛ سواء قصد التّهديد أو غيره.
وذهب آخرون منهم شيخ الإسلام ابن تيميّة وتلميذه ابن القيّم إلى أنّ الطلاق المعلّق يعتبر طلاقاً إذا قُصد به الطلاق، أما إن قُصد به الحث أو المنع؛ فيعتبر يميناً تلزم فيها كفارة اليمين، وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة؛ فمن لم يجد شيئاً من ذلك صام ثلاثة أيام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والثالث صيغة تعليق، كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ويسمى هذا طلاقاً بصفة، فإما أن يكون قصد صاحبه الحلف وهو يكره وقوع الطلاق إذا وجدت الصفة، وإما أن يكون قصده إيقاع الطلاق عند تحقق الصفة. فالأول: حكمه حكم الحلف بالطلاق باتفاق الفقهاء، والثاني: وهو أن يكون قصد إيقاع الطلاق عند الصفة فهذا يقع به الطلاق إذا وجدت الصفة، كما يقع المنجز عند عامة السلف والخلف، وكذلك إذا وقت الطلاق بوقت كقوله: أنت طالق عند رأس الشهر، وقد ذكر غير واحد الإجماع على وقوع هذا الطلاق المعلق، ولم يعلم فيه خلاف قديم،

وذهب ابن حزم إلى أنه لا يقع به الطلاق، إذا خرج مخرج اليمين، لا يقع ولا شيء عليه" .
ودليله أنّه لا يمين إلاّ بالله تعالى، ولم يوجب الله كفارة في غير يمين به؛ فلا كفارة في يمين بغيره عز وجلّ. وبما رواه مسلم عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) .
والصحيح أن الطلاق المعلق قد يكون طلاقا مقصودا معلقا على شرط ويقع إذا وقع الشرط وهو ما عليه الجمهور، ولكن إذا قصد بتعليقه التهديد أو تعليقه على أمر لا يريد وقوعه، مثل: إن خرجت من البيت فانت طالق، فلا يقصد الطلاق ولكنه يريد أن يحملها على عدم الخروج، ويدل على عدم نية الطلاق، وإنما يريد حصول ما علق عليه الطلاق، سواء أكان على وجه اليمين؛ أم لم يكن على وجه اليمين .

ودليل كونه يمينا ما روي عن ابن التيمي عن أبيه عن بكر بن عبد الله المزني قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق زوجتك أو تفرق بينك وبين امرأتك، قال: فأتيت زينب بنت أم سلمة، وكانت إذا ذكرت امرأة بفقه ذكرت زينب، قال: فجاءت معي إليها، فقالت: يا ينب- جعلني الله فداك- إنها قالت: كل مملوك لها حر، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية؟ خلي بين الرجل وامرأته، قال: فكأنها لم تقبل ذلك، قال: فأتيت حفصة، فأرسلت معي إليها، فقالت: أم المؤمنين- جعلني الله فداك- إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، قال: فقالت حفصة: يهودية ونصرانية؟ خلي بين الرجل وامرأته، فكأنها أبت، فأتيت عبدالله بن عمر فانطلق معي إليها، فلما سلَّم عرفت صوته، فقالت: بأبي أنت وبآبائي أبوك، فقال: أمن حجارة أنت أم من حديد أم من أي شيء أنت؟ أفتتك زينت، وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي منهما، قالت: يا أبا عبد الرحمن، جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية ونصرانية، قال: يهودية ونصرانية؟ كفري عن يمينك، وخلي بين الرجل وامرأته" . وفي رواية عند الدارقطني والبيهقي: فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة رضي الله عنهم، فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكفري مثل هاروت وماروت؟ فأمروها أن تكفر عن يمينها، وتخلي بينهما.

الإشهاد على الطلاق
أمر الله تعالى عباده بالإشهاد على الزواج والطلاق والرجعة، يقول الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} .
اتفق الفقهاء بالإجماع على وجوب الشهود أو الإعلان في الزواج، واختلف المفسرون والفقهاء بعد ذلك في نوع الأمر فذهب الحنفية إلى الندب وليس الوجوب في الطلاق والرجعة كقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم}. وقالوا: إن الرجعة لا تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد كسائر الحقوق، وخصوصا حل الظهار بالكفارة.
وذهب الشافعي وأحمد بن حنبل في أحد قوليه إلى أنه واجب في الرجعة، مندوب إليه في الفرقة.
وفائدة الإشهاد ألا يقع بينهما التجاحد، وألا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث .
وهو ما ذهب إليه أكثر العلماء. فلو جامع أو باشر أو لامس فهي رجعة، ولو تكلم يقصد به الرجعة فهي رجعة عند مالك. وقال الشافعي وأبو ثور: إذا تكلم بالرجعة فهو رجعة.
وذهب ابن حزم الظاهري والشيعة الإمامية؛ إلى وجوب الإشهاد على الطلاق والرجعة وغيرها، لأنهم حملوا الآية على وجوب الإشهاد على الطلاق. فقد أمر الله عز وجل الإشهاد على البيع وغيره ولم يقل أحد بأن البيع لا يصح إلا بالإشهاد. ولن الإشهاد قد لا يكون عند البيع والطلاق والرجعة وقد يصح بعده بالاتفاق، فيقول: اشهدوا أني طلقت فلانة..
والذي يظهر من الآية أن الإشهاد واجب عند قرب انتهاء العدة بدليل قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذلكم يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} .
يقول الإمام الطبري في تفسيره: "إذا انقضت عدتها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أو ثلاثة أشهر إن لم تكن تحيض، يقول: فراجع إن كنت تريد المراجعة قبل أن تنقضي العدّة بإمساك بمعروف، والمعروف أن تحسن صحبتها أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ والتسريح بإحسان: أن يدعها حتى تمضي عدتها، ويعطيها مهرًا إن كان لها عليه إذا طلقها، فذلك التسريح بإحسان، والمُتعة على قدر الميسرة" .
ومما يؤكد ذلك ما روي عن ابن عباس، قال: إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها، أشهد رجلين كما قال الله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم}، عند الطلاق وعند المراجعة، فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين، وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت منه بواحدة، وهي أملك بنفسها، ثم تتزوّج من شاءت، هو أو غيره.
وهذا صحيح لأن الإشهاد لبيان ما سيؤول إليه الأمر من رجعة أو طلاق، وحتى لا يقع الشك والريبة والاختلاف خاصة بعد انتهاء العدة، فتقول الزوجة لم يرجعني، ويقول: أرجعتها، ووالمخرج من الخلاف والإنكار في ذلك وجود الشهود، {ذلك أدنى ألا ترتابوا}، كما أوصى الحق سبحانه، وإن كان ذلك له حل قضائي بأن القول قوله مع يمينه.
والصحيح أنه يندب الإشهاد على الطلاق حتى لا يتلاعب الناس بأمره، وحتى يكون الزوج عند الطلاق متمكنا من تصرفه وعقله ورأيه، وحتى لو حمل على الوجوب فهو يحمل أثره ديانة لا قضاء. فلا يجوز إبطال كلام الناس وإهماله، فلإنسان مكلف بكل ما يقول ويفعل، فلو تلفظ بالطلاق وقصده فهو مسؤول عن ذلك.
والقول بأن أمر الطلاق أخطر من أمر الزوج لا يصح، لأن عقد الزواج لا يصح إلا بالعقد والإيجاب والقبول وليس كذلك الطلاق ولا الرجعة فتصح من غير قبول من الطرف الآخر، ولكن إذا انتهت العدة أو اقتربت فلا بد من الإشهاد وجوبا وتوثيقا. قال أبو بكر بن العربي بعد أن ذكر قول من قال بالوجوب على الرجعة: "وهذا فاسد مبني على أن الإشهاد في الرجعة تعبد. ونحن لا نسلم فيها ولا في النكاح بأن نقول: إنه موضع للتوثق، وذلك موجود في الإقرار كما هو موجود في الإنشاء" .
وإذا اقترب الأمر من نهاية العدة فيجب على الزوجين شرعا أن يدخلا في مرحلة التفاوض والإصلاح والإرشاد والإفتاء ومعرفة الحقوق والواجبات والآثار، ورفع الأمر إلى القضاء في حال إصرار الزوج او الزوجة على الطلاق بسبب الشقاق أو النزاع ومباشرة القاضي بتعيين الحكمين ثم النظر فيما يقررانه ويوصيان به، ثم الطلاق بوثيقة رسمية من قبل القاضي مع تقرير الحقوق والواجبات لكل منهما خاصة المهر والنفقة والمتعة والحضانة والميراث وغيرها.

إجراءات الطلاق
المعلوم في أمريكا وأكثر بلاد الغرب أنه يتم عقد الزواج بشقيه المدني والشرعي، ويتم تحويل طلب عقد الزواج المدني إلى إمام ليجريه على الوضع الشرعي. ولذا يعتبر العقد الشرعي هو الأساس للمسلم، وهو أساس الحقوق والواجبات الشرعية والمدنية، وجميع آثار عقد الزواج والأحكام الشرعية المترتبة عليه. ويعتبرالعقد المدني للتوثيق والتسجيل لهذا العقد ومتضمنا الاتفاق على أحكامه الشرعية اتفاقا واختلافا، زواجا وطلاقا.
وعلى الزوجين أن يلتزما بأحكام دينهم وأن يتقوا الله في بعضهم، وأن يكون الإمساك بمعروف وإلا فيكون التسريح بإحسان أيضا. ولذا عليهم توثيقه وعقده في المسجد والمدينة معا، والتعرف على آثار عقد الزواج وحقوق الطرف الآخر والأولاد من نفقة ومهر وأحكام في الحضانة وغيرها وواجباته كل منهما، وعليه بعد ذلك أن يقوم بالإجراءات الرسمية التابعة للطلاق في المحكمة.
ويترتب على تسجيله في المدينة أمور منها أنهما يطبق عليها قانون الولاية التي عقدا فيها الزواج وسجلاه فيها أو يعيشان فيه لمدة زمنية معلومة تختلف من ولاية لأخرى. وعليهم أن يراعيا قانون الزواج وما يتعلق به من أحوال شخصية، وألا يخالفانه، وغلا وقعا تحت طائلة القانون ومحاسبته، وعليهم أن يجعلا زواجهما صحيحا شرعا أولا، وألا يكون مخالفا لقواطع الشريعة ونصوصها ومقاصدها.
وقد لا يحتاج إلى القانون ما داما متفقين، وما دامت الأمور تجري بالاتجاه الصحيح، ولكن إذا دب الخلاف وحصلت النزاعات، وبدأ ناقوس خطر الطلاق يدق، فإن القضاء المدني يصبح لازما إذا لم يتفق الزوجان على آليات رفع الخلاف بمقتضى دينهم وتعاليمه قبل العقد وبعده.
ولذ يستحسن أن يتفق الزوجان على طريقة حل الخلاف لو حصل بالرجوع إلى أحكام الشريعة عن طريق المراكز الإسلامية والفقهاء والأئمة القادرين على ذلك.
وإذا أراد الزوجان الطلاق أو أحدهما فلا بد لإتمام الطلاق عدد من الإجراءات يجب اتخاذها:
• حضور الرجل أو المرأة إلى الإمام أو المفتي أو إلى الجهة المسؤولة عن الإفتاء مع وثيقة إثبات شخصيّة.
• إبراز ما يثبت الزواج، كعقد الزواج وغيره. والنظر فيما إذا كان عُقد الزواج في المسجد فقط أو في المدينة فقط أو فيهما، أو عقد في بلد مسلم أو غير مسلم. وبشكل عام إذا عقد في المدينة أو في دولة معترف بها، فيجب العلم بأن الطلاق لا بد أن يدخل المحكمة وان يوثق في النهاية فيها وأن القاضي سينظر لاحقا أو آجلا فيما تصل إليه الأمور من اتفاق او اختلاف.
• لا بد من التشاور مع الإمام حول الأسرة وأوضاعها وأسباب المشكل وإمكانية حلها عن طريق الإصلاح والتشاور والتوجيه قبل الانتهاء إلى موضوع الطلاق.
• دعوة الطرف الآخر للإصلاح والمشاورة، والنظر فيما إذا كان هناك مجال للإصلاح أو الاستمرار في موضوع الطلاق.
• الاستفسار عما إذا كان الطلاق قد وقع قبل هذه المرة أم لا. فعلى الإمام أن ينظر فيما إذا وقع طلاقا سابق من باب الفتوى، وتدقيق الفتوى واستخلاص فتوى في طلاقه أو عدم اعتباره طلاقا. ويستحسن أن يكون الطرفان موجودين عند إصدار أي فتوى في الطلاق ونفيه، ولكن هناك حالات يحتاج فيها الإمام أو المفتي وجود الزوجة من أجل إثبات الطلاق أو نفيه كما لو وقع الطلاق قبل الدخول، أو إذا كان هذا الطلاق هو الطلاق الثالث، أو إذا ادّعى الزوج الإكراه على الطلاق، أو الاختلاف والتردد في عدد مرات الطلاق، أو ادعاء أحدهما ونسيان الآخر.
• إذا أصرا على الطلاق أو أحدهما يحاول الإمام تأجيل موضوع الطلاق وإرجاءه مدة ومهلة أطول ما امكن وألا يستعجل في إجراء الطلاق، من أجل إعطاء الزوجين فرصة للتفكير والنظر والمراجعة والإصلاح.
• إذا تأكد الإمام من إصرارهما على الطلاق وعدم إمكانية البقاء مع بعضهما، يطلب منهما أو من طالب الطلاق تعبئة الطلب المخصّص للطلاق. ثم البدء في موضع الطلاق:
o إذا اتفقا على الطلاق وقبلا وقوع الطلاق في المركز يمكن الاتفاق على طلاق شرعي إما رجعيا وإما بائنا أو خلعا بحسب نوع الاتفاق والطلاق، ثم يوثقا ذلك الطلاق في المحكمة عن طريق تقديم طلب طلاق للمحكمة مباشرة او عن طريق محامي او كاتب متخصص بذلك.
o إذا وافق أحدهما ولم يوافق الآخر، يطلب الإمام من طالب الطلاق أن يذهب إلى المحكمة ويستصدر طلاقا مدنيا، ثم يقوم الإمام بإصدار طلاق شرعي توثيقا لذلك الطلاق المدني وموفقا بين الأحكام الشرعية والقانونية.

أنواع الطلاق السابقة وعلاقتها بإجراءات الطلاق الشرعي والمدني:
مر معنا أن الطلاق إما أن يكون من الزوج، وقد توافق الزوجة عليه وقد لا توافق، أو أن يتفق الاثنان على الطلاق بالتراضي بينهما، وإما أن يكون خلعا بالافتداء ويوافق عليه الزوج، وإما أن يكون طلبا من قبل الزوجة برفع الأمر إلى القضاء، وقد يرفع الأمر إلى القضاء الزوج لا ليوقع الطلاق لأنه يملكه ولكن ليسلم من بعض الحقوق أو كلها، فهذه ستة أحوال.
والطلاق الشرعي بأنواعه الستة لا قيمة له قانونا ولا يترتب عليه آثاره القانونية، إلا إذا توثق وقضى به القاضي المدني. فإذا كان الطلاق من قبل الزوج، فيجوز للرجل أن يطلق دون إذن الزوجة شرعا، ولكنه قد يواجه بطلب من الزوجة بالحقوق المدنية، وقد لا يوافق أحدهما على آثار الطلاق الشرعي وحقوق الطرف الآخر كالمهر والنفقة والمتعة، فيرفع الأمر إلى القاضي المدني، باعتباره صاحب سلطة قضائية وقانونية ملزمة، لا يستطيع احد الخصمين تجاهل أي من قراراته وأحكامه وإلا عرض نفسه للسجن والعقوبة. الأمر عند ذلك للقاضي يحكم بحسب القانون الذي أمامه.
ولكن لو استطاع الزوجان أن يبينا أهمية العقد الشرعي للقاضي ولم يشككا فيه، واعتباره وثيقة وعقدا قد اتفقا على تنفيذ بنوده وشروطه، يستطيع أحدهما أن يأخذ الحق الشرعي كاملا، وقد حصل ذلك في بعض الولايات فتقرر حق الزوجة من المهر والنفقة بناء على العقد الشرعي لأن العقد شريعة المتعاقدين، وما دام تراضيا عليه ووقعا عليه فهو ملزم قانونا كما هو ملزم شرعا.
ويجوز أن يتراضى الزوجان معا على الطلاق وآثاره كلها، بإعطائها حقوقها غير منقوصة، أو بتنازلها عن حقوقها او بعضها، ويقع بإيقاعه عليها او باتفاقهما معا. هذا الطلاق من قبله وحده أو باتفاقه معها يقع بلفظه ديانة، ولكنه لا يحقق أثره قضاء وقانونا إلا بالتقاضي وبتسجيله وتوثيقه قانونا في القضاء المدني. ويجب قبل ذلك أو بعده تسجيله في مركز إسلامي ليحصل على الطلاق الشرعي.

الطلاق بالتراضي والخلع الرضائي:
يجوز شرعا وقانونا أن يتفق الزوجان على الطلاق بشروط وبدون شروط، وقد يكون طلاقا وقد يكون خلعا.
وفي هذه الحالة يجب أن يكون الاتفاق في المراكز الإسلامية عند أهل الاختصاص والفقه، وتوثيقه وتسجيل الاتفاق بحسب الشريعة الإسلامية، ثم يتبع ذلك بتسجيل ما اتفق عليه في المحكمة وموافقة القاضي على ذلك الاتفاق.
وفي العادة لا تجد مشكلة عند القاضي في قبول ذلك الطلاق وما اتفق عليه، إلا إذا حاول أحد الطرفين أن ينقض الاتفاق الذي حصل عند الإمام أمام القاضي على نحو ما، فيرجع الأمر إلى القاضي المدني نفسه بالقبول أو التعديل وربما الرفض بحسب ما ترجح إليه.
ويعتبر أيسر أنواع الطلاق تنفيذا وتوثيقا وانتهاء الطلاق بالتراضي أو بالاتفاق، وهو أن يقع الطلاق بين الزوجين بالتراضي والاتفاق بينهما من غير خصومة ولا مشاكل، بسماحة ورفق وتقوى لله دون شح ولا أثرة ولا عناد، وذلك بأن يتراضى الطرفان بإعطاء الآخر حقه كاملا غير منقوص عن طيب نفس وإيثار، أو أن يتنازل صاحب الحق عن حقه طواعية ومن غير إكراه ولا ضغوط ولا عضل. وهذا ما ينصح به كل من أراد الطلاق أو الخلع فإنه أفضل وأوفق لأخلاق المسلمين وللأسرة خاصة بوجود الأولاد حتى تبقى العلاقة بينهما على احترام وتفاهم، بمقتضى التسريح بإحسان، وتصديقا لقوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} .
قد يكون الطلاق بالتراضي من غير شروط، وقد يكون بشروط صحيحة يتفقان عليها، ومن ذلك الطلاق مقابل الإبراء أو الخلع والافتداء مقابل مال أو أن يعطيها كل حقوقها المالية والشرعية، وكل ذلك صحيح.
ومع هذا كله فإن على الإمام أن يعمل على الإصلاح بينهما وإعطائهما مهلة من الوقت لمراجعة نفسيهما، وقد يطلب منها الذهاب إلى المرشدين النفسيين والاجتماعيين والمصلحين الشرعيين، وتوجيههما إلى الإصلاح.
وفي نهاية المطاف إذا لم يقبلا الإصلاح وأصرا على الطلاق بالتراضي، وصرح كلا الزوجين بأنّهما يتفقان على الطلاق بالتراضي، عقد جلسة شرعية في المسجد، بوجود شاهدي عدل، وحكم بالطلاق ويوثّقه ويسلم كلا منهما نسخة، ويكتب في الاتفاق كل ما اتفق عليه من أمور النفقة والمهر ....
ثم يطلب منهما تسجيل الطلاق في المحكمة إما عن طريق محامي أو عن طريق تقديم طلب للمحكمة من قبل أحدهما ويوقع عليه الطرف الآخر عند تسلمه بالبريد والوقوف أمام القاضي إذا استلزم ذلك. وفي بعض الأحيان إذا كان الطلاق بالتراضي فلا يحتاج القاضي المدني حضور الطرف الآخر بل ينظر إلى اتفاقهما وتوقيعهما وقبولهما ويقضي بالطلاق بحسب ذلك

طلب الطلاق من قبل الزوجة دون موافقة الزوج:
يجوز للزوجة أن تطلب الطلاق من زوجها كما ذكرنا للضرر والشقاق والنزاع والعلل، وعندها تذهب إلى المراكز الإسلامية التي تدعو الزوج إلى القضاء الشرعي، وتتعرف على الأسباب التي تطلب المرأة الطلاق من أجلها، وتحاول بينهما بالإصلاح والتوجيه، فإن لم يجد الأمر بالإصلاح، طلب الإمام من الزوج أن يطلقها، فإن رفض فيوجه المرأة إلى أن ترفع أمرها للقضاء المدني لتحصل على الطلاق وعلى حقوقها الشرعية والمدنية، ثم بعد ذلك يقوم بإخراج وثيقة طلاق شرعية بمقتضى الضرر الذي ثبت عند القاضي المدني وحصول الطلاق المدني فيقضي بالطلاق الشرعي تبعا لذلك.
وتكييف ذلك أن الإمام ليس عند سلطة التطليق الشرعي فضلا عن المدني، فإذا تيقن من أن للزوجة حق الطلاق للضرر وغيره، ورفض الزوج الطلاق أو كان غائبا، وجهها الإمام إلى القضاء المدني لتحصل على الطلاق المدني ومن ثم يكون عنده مجال للتطليق الشرعي وتحقيق العدالة ودفع الضرر عنها.
وفي المبحث القادم نتكلم عن الأسباب الشرعية لطلاق القاضي المسلم، ومتى يحق له أن يوقع الطلاق أو يجب عليه ذلك.

طلاق القاضي المسلم
متى يطلق القاضي المسلم! وكيف يستفاد من طلاق القاضي غير المسلم في هذه الأحوال لتعين الإمام على تطبيق شرع الله تعالى بإزالة الضرر عن المضرور والظلم عن المظلوم.
قبل أن نتحدث عن طلاق القاضي غير المسلم لا بد من بيان دور القاضي المسلم في الطلاق، وكونه يستطيع أن يوقع الطلاق للضرر والشقاق وغيره، مما يعتبر مدخلا لطلاق القاضي غير المسلم وطريقا للاستفادة منه لتحقيق العدالة الإلهية وتحقيق مصالح المسلمين في الغرب دون أن نخالف شرع الله ودينه.
فمن جمال الإسلام وكمال أحكامه التكامل والشمول والتناسق والتوازن والترابط والتماسك والنظر في الواقع والمتوقع والمآل، وأن الأحكام الشرعية كلها نظام واحد وعلى وزان واحد، بعضها يؤيد بعضا ولا تتناقض الأحكام مع بعضها، لأنها دائما تقوم على أصول ثابتة وتتغيى مقاصد شرعية منضبطة وواضحة، وقواعد ضابطة للأصول والفروع، مما يجعل الفقه كله محققا المصالح قائمة على ساق العدل والإحسان والتقوى والأخلاق.
جعل الإسلام الطلاق بيد الزوج ابتداء، لكن نظام العدل فيه والتوازن ومنعا للاستبداد والظلم والتعسف، جعله في بعض الأحوال بيد الزوجة بأن تتفق مع زوجها على الطلاق مقابل الافتداء بمال أو إبرائه من بعض حقوقها، وإذا لم يوافق مع وقوع ضرر عليها فيمكن لها أن ترفع أمرها للقاضي لينصفها، ويرفع ذلك الضرر والأذى والظلم عنها، فيطلقها على الزوج إذا ثبت لديه دعواها كحال الشقاق والنزاع والإيلاء والظهار والغيبة والفقد أو الإعسار بالنفقة ونحو ذلك.
فالقاضي ينظر في حالها فإذا رأى سببا موجبا للطلاق طلقها من زوجها ولو لم يرض الزوج وله أن يكلفه بكل حقوقها الشرعية.

أسباب طلاق القاضي
أساس طلاق القاضي رفع الضرر والظلم عن الزوجة وهو أقسام:
الطلاق للضرر.
الطلاق للشقاق والنزاع.
الطلاق لعدم النفقة.
الطلاق للغيبة والفقد والحبس.
الطلاق للهجر والإيلاء والظهار.
وغيرها...

أولا: الطلاق للضرر :
من الحقوق المشتركة بين الزوجين أن يحسن كل منهما معاشرة الآخر وأن يتقي الله في الطرف الآخر، وأن يعمل بكل ما يستطيع ألا يؤذيها ولا يضرها ولا يسيء إليها، قال تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} . وقال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} ، وقال: {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} . وقال: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} .
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز للزوج أن يسيء معاملة زوجته ولا أن يؤذيها بالقول أو الفعل وألا يضرها ماديا ولا معنويا ولا ماليا.
وأوجب الشرع العدل بين الزوجين بقوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} .
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: (إن لكم من نسائكم حقاً وإن لنسائكم عليكم حقاً) .
وإذا وقع الطلاق الرجعي بين الزوجين واقترب أجل العدة، أوجب الله عز وجل الإمساك بمعروف أو التفريق بمعروف، يقول تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} .
فإذا وقع ضرر يتعذر معه دوام العشرة الحسنة بينهما، فلكل من الزوجين حق التقاضي وطلب التطليق للضرر. أما الزوج فإن كان متضررا لنشوز الزوجة وغيره، فلا حرج عليه أبدا لأنه التطليق لأنه يملك الطلاق، ولكنه ربما يتضرر من الطلاق في بعض الأحوال بما يترتب عليه ومن حقوق لها، فيرفع الأمر إلى القاضي ليحكم في أمر مهرها ونفقتها وباقي حقوقها.
وإذ كان الضرر والظلم واقعا على الزوجة كالضرب والإهانة والشتم.. أو عدم إنفاقه عليها، فيجوز لها قضاء أن تطلب الطلاق، شرط أن يكون الضرر بالغا، لا يمكن لها أن تعيش مع الزوج بهذا الوضع، ولا يمكن العلاج ولا الإصلاح.
وقد منحت الشريعة حق طلب التطليق للزوجة، وأوجبت على القاضي أن ينظر في طلبها والنظر في ظلامتها والعمل على إنصافها تبعا للبينات والشواهد والأدلة الشرعية من طرق الإثبات فيأمر الزوج بالتطليق إن ثبت الضرر اللاحق بها، فإن امتنع فيجوز للقاضي أن يطلق الزوجة عليه.
والضرر الذي يلحق بالزوجة متعدد النواحي والوجوه والأسباب، سنرى اهم صورها فيما بعد، فتصبح الحياة الصحيحة مستحيلة ببقاء الزوجية بين أمثالهما، وتصبح العشرة بين الزوجين صعبة للغاية، وتزول عرى المودة والمحبة والرحمة بينهما، بل تتعمق الخصومة والشجار وربما يتعدى للضرب والتهديد والعدوان على الجسد أو النفس. وقد يخشى ما لا تحمد عقباه، وقد يترتب على ذلك وقوع في المحرمات ومخالفة الشرع والخوف من عدم القدرة على إقامة حدود الله.
يقول تعالى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ، فإن إمساكهن بقصد الإضرار بهن لا بقصد الإحسان لهن، مما لا يرضاه اللّه، يعد عدوانا وظلما يوجب العقاب الإلهي ويوجب تدخل ولي الأمر لرفع ذلك الضرر والظلم.
ويقول تعالى: {وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ} ، ويقول تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، وفي هذه الآيات نهي عن الإضرار بالنساء ووجوب الإمساك بمعروف، وإلا فعلى من لَمْ يُمسك بالمعروف أن يسرِّح بإحسانٍ.
وقد ثبت في القاعدة الفقهية العظيمة المنصوصة عليها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (لا ضرر ولا ضرار) . وقواعد إزالة الضرر كالقاعدة الشرعية "الضرر يزال"، وقاعدة "ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين".
ويشترط في الضرر ثبوته بأدلة سائغة قضاء، وتكراره والإصرار على طلب الطلاق ومحاولة القاضي أن يصلح بينهما بكل الوسائل الممكنة، ثم عجز القاضي عن الإصلاح بين الزوجين.
وإن نص المالكية على أن الزوجة إذا أضر بها زوجها كان لها طلب الطلاق منه لذلك، سواء تكرر منه الضرر أم لا.
ومن صور الإضرار بها شتمها وسبها سبا قاذعا وإهانتها الشديدة والطعن في شرفها وتكرار الشك فيها من غير سبب صحيح، وضربها ضربا مبرحا بكل صور العنف المنزلي المحرم شرعا. ومن أهم أسباب الضرر الواقع على المرأة تعاطي الزوج الخمور والمخدرات والعلاقات المحرمة وارتكاب الفحشاء وإتيان المرأة بطريق غير شرعي وإخراجها من سكن الزوجية، او خروجه هو من بيت الزوجية لغير سبب صحيح لمصلحة الأسرة.
ويحرم أيضا الإضرار بها وعضلها لتطلب الطلاق فإذا أخذ بعض مالها أو ما أعطاها فحرام عليه ذلك، قال: سبحانه: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} . قال ابن المنذر: "وأجمعوا على تحظير أخذ مالها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قِبَلِها" .
وتقدير الضرر موضوعي أي يقدره القاضي من ظروف الأحوال وملابسات الدعوى وحال الزوجين، وما إذا كان ما يسببه الزوج لزوجته بأفعال أو أقواله أو بامتناعه ما يصل إلى درجه يستحيل معه على الزوجة العيش معه بالنظر إلى أمثالها فيفرق بينهما.
وإذا تعدد التقاضي للضرر فلا يستند فيها على نفس الوقائع السابقة بل لا بد من وقائع مغايرة لتلك التي رفعت في الأولى، وإن كان يستأنس بها ويبني عليها رأيه في تكرر الضرر واستمراره.
وأما الضرر من غير الزوج فهو ضرر أيضا، والمعلوم أن من حقِّ الزَّوجة على زوجِها أن يوفِّر لها سكنًا مستقِلًّا، ولا يُلْزِمها أن تسكُن مع أهلِه، وخاصَّة إذا ترتَّب على سُكناها معهُم أيُّ ضررٍ يَلحَقُ بِها. ولا يجوز تدخل الأهل فييما بين الزوجين ولا يعملا على الإضرار بهما والإفساد بينهما فذلك من اعظم الذنوب وأخطرها.
والخلاصة أن الطلاق للضرر بيد القاضي يتولى إيقاعه بطلب الزوجة وامتناع الزوج منه.
وهناك ضرر ليس بسبب من الزوج، بل بسبب عدم رضاها عن العيش معه، لخوفها على نفسها من الفتنىة، فهنا يطبق الخلع والافتداء وليس الطلاق للضرر، كحديث امرأة ثابت بن قيس السابق.

ثانيا: الطلاق للشقاق:
الشقاق هو الخلاف العميق والمستمر بين الزوجين بدرجة يتعذر معها استمرار العلاقة الزوجية.
والشقاق من أنواع الضرر الواقع على الزوجة أو عليهما وعلى الأولاد. وقد ذكره القرآن الكريم وخصه بالذكر تفصيلا لخطره وضرره وأثره على الحياة الزوجية، وأن الزوجين والعائلة الكبيرة والمجتمع يجب أن يعملوا على الإصلاح بينهما.
كيفية علاج الشقاق:
الأصل أن يتعلم الزوجان كيف يحلان الخلاف بينهما بتقوى الله تعالى وبالحكمة والموعظة الحسنة والنصيحة والأساليب الشرعية الصحيحة المؤدية لغرض الإصلاح، ومن أهمها استشارة أهل الخبرة والعلم والدين،
فإذا عجزا أو عجز الأهل عن الإصلاح ووصل الأمر والصلح بين الزوجين إلى طريق مسدود، واستمر الشقاق، وهي مرحلة متقدمة من النزاع والخلاف بعد استنفاد الزوجين كل الطرق للإصلاح، فيرفع الأمر عند ذلك للقضاء الشرعي من قبلهما أو قبل أحدهما.
وغاية هذا التقاضي حسم الخلاف والشقاق تحت المراقبة القضائية كتقنية بديلة غايتها إصلاح ذات البين إعادة الأمور إلى نصابها وتقويم مسار الزوجية إلى شكله الطبيعي، تحقيقا لقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله عليما خبيرا} .
يختار القاضي الحكمين من أهل الخبرة والمعرفة والحكمة والاستقامة والإصلاح والعدالة والعلم والقوة والرشد من الأهل أو الجيران.
وتعين لهما المحكمة مدة من الزمن كافية لإنجاز المهمة، واستقصاء أسباب الخلاف والعمل على إزالتهما ما أمكن، وبالسرعة الممكنة حسما للخلاف والخصومة وتسريعا للتقاضي ضمانا للحقوق ودفعا للتأخير والتماطل كسبا للوقت وتحايلا عليه. وإذا تعذر عليهما الوصول إلى نتيجة لسبب ما أو لتباين وجهة النظر لديهما فللقاضي أن يجد وسائل إضافية ملائمة للشأن إصلاحا أو تفريقا.
ووظيفة الحكمين أن يقدما تقريرا بنتيجة تحقيقهما في النزاع وأسبابه ومدى إمكان الإصلاح أو التفريق. فمهمتهما تبدأ من تعيين القاضي وتنتهي إليه بتوصيات فيكتسب قوته الثبوتية ومصداقيته القانونية من الإشهاد القضائي للمحكمة على فحواه بعد تحرير مضمونه .
وبعد ذلك يقرر للزوجين حقوقهما الشرعية من مؤخر الصداق ونفقة العدة ومتعة الطلاق بناء على مدة الزواج ووضعية الزوج المالية، والموجبات المحتج بها من قبل طالب الطلاق للشقاق، مع مراعاة مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدير ما يمكن أن تحكم به المحكمة على المسؤول لصالح الزوج الآخر.
وبعد التأكد من الطلب وأسبابه وأدلته يحكم القاضي على الزوج شرعا بطلاق زوجته منه. هذا إذا كانت الإساءة من الزوج أو منهما، أما إذا كانت الإساءة من الزوجة دون الزوج فلا يكون هناك تفريق.
ويقع الطلاق به بائنا، لأن الهدف منه رفع الشقاق والنزاع، وإلا رجع الشقاق والنزاع من جديد.

ثالثا: الطلاق لعدم النفقة أو للإعسار:
نفقة الزوجة على زوجها واجبة ولو كانت غنية، لأن الإنفاق حق من حقوق الزوجة وأثر من آثار عقد الزواج.
والنفقة التي توجب طلب التطليق هي النفقة الضرورية من طعام وشراب وكساء وسكن وعلاج مما يرجع فيه إلى العرف.
فإذا أعسر الزوج فلم يستطع الإنفاق عليها أو امتنع عن ذلك مع قدرته، فلها الحق ان ترفع أمرها إلى القاضي الشرعي طالبة إجباره على الإنفاق عليها أو التطليق.
جاء في نيل الأوطار: باب إثبات الفرقة للمرأة إذا تعذرت النفقة بإعسار ونحوه، واستند إلى حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، فقيل: من أعول يا رسول الله؟ قال: امرأتك ممن تعول، تقول: أطعمني وإلا فارقني...، وولدك يقول: إلى من تتركني؟} .
وعن سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور والشافعي وعبد الرزاق: "في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرق بينهما"، قال أبو الزناد: قلت لسعيد: سنة؟ قال: سنة". وهذا مرسل قوي وعن عمر عند الشافعي وعبد الرزاق وابن المنذر، "أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: "إما أن ينفقوا وإما أن يطلقوا ويبعثوا نفقة ما حبسوا" .
ودور القاضي في هذه الحالة أن ينظر في حالهما، فإذا كانت الزوجة غنية فيطلب منها الصبر على زوجها بل والإنفاق على زوجها تبرعا وصدقة حتى الإعسار، وإذا رفضت يأمرها أن تقرضه قرضا حسنا إلى ميسرة.
أما إذا كانت الزوجة فقيرة فذهب الشافعية والحنابلة إلى أمرها بالاستدانة على زوجها إذا امكنه السداد لحين، لقوله تعالى: {لينفق دو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله لا يكلف الله نفسا ألا ما أتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} .
وذهب المالكية والحنفية إلى وجوب التطليق دون الاستدانة، واستدلوا بقوله تعالى: {لا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} وعدم الانفاق ضرر والضرر يزال، واستدلوا باجتهاد الصحابة أن عمر أمر بتطليق نساء من الرجال غابوا وتوقفوا عن النفقة.
واعتبر المالكية هذا الطلاق طلاقا رجعيا، للزوج أن يراجعها في العدة إذا أيسر، أما الشافعية والحنابلة قالوا: فسخ ويقع بائنا بينونة صغرى. والراجح أنه رجعي لإعطاء الزوج مهلة للإنفاق وإصلاح حاله.
قال القرطبي: "والفرقة بالإعسار عندنا طلقة رجعية خلافاً للشافعيّ في قوله: إنها طلقة بائنة؛ لأن هذه فرقة بعد البناء لم يستكمل بها عدد الطلاق ولا كانت لِعوض ولا لضرر بالزوج فكانت رجعية؛ أصله طلاق المُولِي" .

رابعا: التفريق للعلل:
إذا وجد عله في أحد الزوجين كالجنون والعيوب المنفرة والأمراض الجنسية المعدية او التي تمنع الطرف الآخر من حقه أو يطول شفاؤها أو يصعب أو يستحيل والتي تحول دون تحقيق الهدف من الزواج، وتمنعه من الجماع، أو تضعفه عنه، فينبغي عليه أن يتداوى من تلك العلة، قال القرطبي -رحمه الله-: "وَإِنْ رَأَى الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ عَجْزًا عَنْ إِقَامَةِ حَقِّهَا فِي مَضْجَعِهَا، أَخَذَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَزِيدُ فِي بَاهِهِ، وَتُقَوِّي شَهْوَتَهُ حَتَّى يُعِفَّهَا." وإذا لم يستطع التداوي أو الشفاء فللمتضرر أن يرفع أمره للقاضي ليرفع عنه الضرر، ومقصد ذلك كله حفظ الزوجين من الوقوع في الرذيلة والمعصية، ويطلب التطليق من القاضي فيحكم القاضي بالطلاق.
العيوب قسمان:
1-عيوب جنسية:
كالجب ، والعنة وهو العجز عن الوطء والخصاء وهو قصع الخصيتين، والقرن ،
والرتق ، والعفل .
ومن الأمراض الحديثة: الزهري والسفلس والإيدز...
ويرجع القاضي في تقدير ذلك إلى الأطباء والمتخصصون الثقات الذي يبينون كونه قابلا للشفاء أو لا، أو مانعا من أخذ الطرف الآخر حقه من الاستمتاع وقضاء الشهوة.
وسواء كان المرض قديما أو حديثا، بل ونرى أنه حق لا يقبل الإسقاط ولا التقادم، فقد ترضى به في البداية ثم تجد نفسها غير قادرة أو غير قادر لإكمال الحياة الزوجية بتلك الحالة.

2- العيوب المنفرة: كالجذام والبرص والجنون.
وهذه العيوب لا تمنع من الدخول والاستمتاع ولكنها تؤثر في الحياة الزوجية ويمكن أن توقع الطرف الآخر في الرذيلة والضرر.

نوع الطلاق:
المالكية والحنفية قالوا يقع الطلاق بائن بينونة صغرى.
والحنابلة والشافعية: قالوا إنه فسخ.
خامسا: الطلاق للغيبة والفقد:
غياب الزوج له أحوال وصور كثيرة، فقد يكون بعذر وبدون عذر، وقد يكون معلوما مكان إقامته وقد يكون غير معلوم، وقد يكون له مال مكنها منها او لم تتمكن من التصرف به.
للزوجة طلب التطليق بسبب غياب زوجها المعروف موطنه أو محل إقامته ولو كان له مال يمكن استيفاء النفقة منه. ولا يحكم لها بذلك الا بعد إنذاره إما بالاقامه مع زوجته أو نقلها اليه أو طلاقها، على أن يمهل لأجل لا يزيد على سنة.
والغيبة تتحقق بغيابه مدة من الزمن بعذر غير مقبول اختلف في تحديدها -سنة فأكثر أو أقل-.
يجب التفريق بين ما إذا كان ينفق عليها ولا ينفق وما إذا كان الغياب برضاها أو لا، فإذا كان ينفق عليها حال غيبته وكان غيابه برضاها، فلا يحق لها طلب الطلاق.
وإذا تضررت من غيبته عنها بعدم إنفاقه عليها أو الخوف على نفسها من الفتنة، وهذا إضرار بها، فلها أن تنذره وأن تطلب الطلاق منه إذا استمر في غيبته، وإلا فيطلقها القاضي للضرر وعدم الإنفاق.
والحنابلة: حددوا الغيبة بستة أشهر لراي عمر - بحيث لا يعلم موضعه ولا يمكن الوصول إليه، وتشهد لها البينة أن الزوجة لم يترك لها نفقة ولا كسوة.
وهذا هو رأي المالكية والحنابلة: فيجوز ذلك حتى ولو ترك لها مال والمالكية بعذر أو غير عذر.
وأما الحنفية والشافعية لا يحق لها ذلك.
وقد اعتبر المالكية هذا الطلاق بائنا بينونة صغرى، أما الحنابلة اعتبروه فسخا. لأنه أزجر عقوبة له لأن غيابه لم يكن إلا بقصد الضرر على عكس لو كان رجعيا قد يرجعها للإضرار بها ثم يغيب مرة أخرى.
ولا تبدأ المدة في الطلاق الغيابي الصادر من المحكمة إلا إذا صار نهائيا، بأن مضت مدة المعارضة والاستئناف، ولم يعارض فيه ولم يستأنف، أو استؤنف وتأيد. أما إذا لم يصر الحكم بالطلاق نهائيا فلا يحوز قوة الشيء المحكوم فيه، ولا يكون الطلاق نافذا تترتب عليه آثاره ومنه العدة حتى يكون نهائيا.
أما المفقود: هو الشخص الغائب الذي لا يعرف مكانه ولا يعرف حياته أو موته ولا يعرف شيء عن حاله وانقطعت أخباره وتعذر الوصول إليه. ولا يعتبر مفقودا إلا بحكم.
فإذا كان لا ينفق عليها ولم يترك لها مالا فلها طلب الطلاق لعدم النفقة والضرر بأحكامهما.

السجن والحبس
لم يجز الفقهاء ذلك غير ابن تيمية والمالكية من غيبة سنة أو أكثر سواء كانت بعذر أو غير عذر
إذا حكم على الزوج المسجون بأكثر من ثلاث سنوات سجنا أو حبسا للزوجة أن تطلب التطليق بعد مرور سنة من اعتقاله و في جميع الأحوال يمكن أن تطلب التطليق بعد سنتين من اعتقاله" أما المشرع السوري في المادة 105 جعل العقوبة المقيدة ب 03 سنوات و قد أحسن المشرع لما فرق بين السجن بسبب سياسي أو عقائدي أو وطني بين غير ذلك من الأسباب كالجرائم التي فيها مساس بشرف الأسرة.

سابعا: الطلاق للإيلاء والظهار:
حق المعاشرة الزوجين حق للطرفين، وهو عبادة من العبادات وصدقة من الصدقات، فعن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (... وفي بضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا) .ويجب على الرجل والزوجة أن يمكن الطرف الآخر من حقه. وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَهُوَ مِنْ أَوْكَدِ حَقِّهَا عَلَيْهِ، أَعْظَمَ مِنْ إطْعَامِهَا .
ويجب الوطء بقدر حاجة الآخر وقدرته، فإن كان به علة فيرجع الأمر لما سبق، وإذا امتنع من حقها في المعاشرة لمدة طويلة -تقدر بالحاجة- بلا عذر، ولم يعفها، فمن حقها طلب الطلاق للضرر.
وكذلك إذا حلف زوجها على عدم إتيانها مدة أربعة أشهر فأكثر، ما لم يفئ قبل انقضاء الأشهر الاربعة لها حق طلب الطلاق للإيلاء ويكون الطلاق بائنا. لقوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} .
ويقع الطلاق في هذه الحالة بأمر من القاضي الذي يدعوه إلى العودة أو التطليق فإن لم يفعل طلق عليه القاضي . وقالوا ابو حنيفة: إذا انقضت أربعة أشهر وقع الطلاق بائنا بدون حكم القاضي عقوبة له، وقد اعتبره المالكية طلاقا رجعيا.
ومثله عند المالكية الظهار: الذي هو تشبيه الرجل زوجته بامرأة محرمة عليه على وجه التأبيد، وهو حرام آثم فاعله، لقوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور، والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسى ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسى فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم} .
وفي حالة الظهار ترفع الزوجة أمرها إلى القاضي طالبة التطليق فيأمره القاضي بإخراج الكفارة وضرب له أجلا مناسبا، ولا يمسها حتى يكفر كفارة الظهار، فعليه تحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. فإذا امتنع عن الكفارة لغير عذر وانتهت مدة الظهار من يوم الطلاق طلقها القاضي طلاقا رجعيا عند المالكية.
وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يتداخل الحكمان لأن حكم الظهار خلاف حكم الإيلاء سواء كان عندهم مضارا أو لم يكن والرأي الراجح هو رأي المالكية لأن الأحكام الشرعية نيطت بصفات ومعان لا بأسماء وأشكال.

ارتكاب فاحشة مينة:
كالقتل والردة والزنا فأبو حنيفة اعتبر ردة الزوج ينفسخ بها الزواج في الحال، أما المرأة فلا. وهذا الفراق هو فسخ لأنه من صلاحيات القاضي للمحافظة على النظام العام واعتبر طلاقا بائنا بينونة صغرى.

مخالفة الشروط المتفق عليها عند الزواج:
الشروط نوعان: شروط شرعية كالشهود، وشروط اتفاقية بين الزوجين.
فللزوجين أن يشترطا في عقد الزواج أو في عقد رسمي لاحق كل الشروط التي يريانها ضرورية، ولا سيما شرط عدم تعدد الزوجات وعمل المرأة، ما لم تتنافى هذه الشروط مع أحكام هذا القانون
للزوجات أت تشترط على الزوج أن لا يتزوج عليها أو يغيب عنها مدة معينة أو يمنح من دراسة أو عمل و كل شرط لا ينافي المقصود من العقد"و سبب تعديل و هي القضايا الكثيرة الذي كان سببها عمل المرأة أو التعدد أمام المحاكم و المادة 47 مغربي فالشروط كلها ملزمة إلا ما خالف منها أحكام العقد و المقاصد و ما خالف القواعد الأمرة للقانون فيعتبر باطلا و العقد صحيحا".

موقف الفقهاء من الشروط الاتفاقية بين الزوجين:
الحنفية: لا تأثير لها على عقد الزواج.
المالكية: فقالوا مكروهة وإذا وقعت يجب الوفاء بها.
الحنابلة: قالوا يصح الوفاء بكل شرط فيه فائدة ولم يخالف نص صريح أو مقاصد الزواج وقد قسم الحنابلة الشروط إلى ثلاثة أقسام:
1- شروط باطلة: لا يوفى بها والعقد صحيح مثل عدم المهر.
2- شروط صحيحة: يلزم الوفاء بها قضاء مثل عدم السفر بها من بلدها وأن تترك وظيفتها.
3- شروط صحيحة غير ملزمة: ولكن يثبت لمن اشترطها حق طلب الفسخ عند عدم الوفاء وهي التي تقيد حرية الملتزم في أعماله الخاصة المشروعة وهي غير محرمة مثل ألا يتزوج عليها أو لا يطلقها.
ودليل مشروعية الاشتراط هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم إلا الشرط أحد حراما أو حرم حلال).

نوع طلاق القاضي:
إذا طلق القاضي في الأحوال التي يجوز له التطليق فيها، فطلاقه نافذ، ويقع بائنا لا يملك الزوج فيه الرجعة إلا في الطلاق على المولي -الإيلاء-، والمعسر عند بعض العلماء، فإنه يكون رجعيا.
قال ابن قدامة رحمه الله: والطلاق الواجب على المولي رجعي، سواء أوقعه بنفسه، أو طلق الحاكم عليه. وبهذا قال الشافعي. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله في المولي: فإن طلقها، قال: تكون واحدة، وهو أحق بها. وعن أحمد، رواية أخرى، أن فرقة الحاكم تكون بائنا. وقال أبو حنيفة: يقع الطلاق بانقضاء العدة بائنا .
وقال في طلاق المعسر بالنفقة: فإذا فرق الحاكم بينهما، فهو فسخ لا رجعة له فيه. وبهذا قال الشافعي، وابن المنذر. وقال مالك: هو تطليقة، وهو أحق بها إن أيسر في عدتها .
جاء في شرح مختصر خليل للخرشي (رحمه الله): يعني أن كل طلاق حكم الحاكم أو نائبه بإنشائه، فإنه يكون بائنا، إلا الطلاق على المولي، والمعسر بالنفقة، فإن الطلاق عليهما رجعي.
وننبه إلى أن طلاق القاضي لا يقع إلا إذا كان حكما نهائيا.
جاء في فتاوى الأزهر: ولا تبدأ المدة في الطلاق الغيابي الصادر من المحكمة إلا إذا صار نهائيا، بأن مضت مدة المعارضة والاستئناف، ولم يعارض فيه ولم يستأنف، أو استؤنف وتأيد. أما إذا لم يصر الحكم بالطلاق نهائيا فلا يحوز قوة الشيء المحكوم فيه، ولا يكون الطلاق نافذا تترتب عليه آثاره ومنه العدة حتى يكون نهائيا .
وقد ذهب بعض فقهاء المالكية إلى أن القاضي يعطي المرأة الخيار، في أن تبقى مع زوجها أو تطلق نفسها، وقال آخرون: يطلق القاضي عنها.
وطلاق القاضي الذي يحكم به يعتبر طلاقاً بائنا، ولكنه بينونة صغرى، بمعنى أن الزوج لا يملك إرجاع زوجته في عدتها، ولكن يجوز له أن يعقد عليها عقدا جديدا إذا رضيت هي بذلك. فطلاق القاضي وحده لا يقوم مقام طلاق الثلاث، ولا يحرم الزوجة على زوجها إلا إذا وقع بين الزوجين قبلها طلقتان سابقتان.

أثر طلاق القاضي:
إذا كان تقرر لدى القاضي أن الطلاق سببه الإساءة من الزوج تم التفريق بينهما مع تعويض الزوجة بما لم تقبضه من المهر وتوابعه ونفقة العدّة ومتعة الطلاق.
وأما إن تقرر أنّ الإساءة كانت من الزوجة فيتم التفريق بينهما مع التعويض بقيمة لا تزيد عن مقدار المهر.
وإن كانت الإساءة من الطرفين بشكل متساوٍ تحصل الزوجة على نصف المهر.
وفي حال صعوبة تقدير نسبة الإساءة الدقيقة من قبل الزوجين تم التفريق بينهما بالعوض المناسب، شرط ألّا يزيد عن قيمة المهر.

الزواج والطلاق الشرعي والمدني
وحكم طلاق القاضي غير المسلم
أولا: وجوب رجوع المسلم إلى القرآن والسنة في كل أموره:
لا شك أنه يجب على المسلم والمسلمة أن يعقدا زواجهما وفق الأحكام الشرعية، وأن يكون زواجه وطلاق وجميع تصرفاته وفق الشروط والضوابط الشرعية، ويجوز أن يخالف في تصرفاته كلها نصا شرعيا أبدا.
والواجب على المسلم عند الخصومة والطلاق والاختلاف ألا يتحاكم لغير شرع الله إلا مضطرا، وهذا الأمر منصوص عليه في القرآن والسنة والإجماع.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} .
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: إنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامَّة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا" .
التكييف الشرعي لعقد زواج المسلم -الشرعي والمدني- في أمريكا:
المعلوم أن المقيم في أمريكا والغرب يعقدان عقد الزواج الشرعي ويسجله في المدينة أيضا، وهذا هو الصحيح لغايتين: ليكون على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من جهة. وحتى يكون معترفا به رسميا وقانونيا، لأن العقد الديني أو في المسجد أو المركز الإسلامي بشكل عام قد لا يكون ملزما للقاضي خاصة عند الطلاق والخلاف لا سيما في أمور الأحكام المادية والحضانة وغيرها، ولأن كثيرا من المساجد للأسف لا تحفظ سجلات الزواج والطلاق وغيرها مما يكون عرضة للأحكام والحقوق.
وعلى المسلمين أن يعملوا على اعتبار ذلك العقد الشرعي المسجل مدنيا، وتقويته والالتزام به، بجعله اتفاقا وعقدا بينهما أساسا للحياة الزوجية بينهما، وأن يتضمن أمر الطلاق والخلاف كتابة -وإن كان في الأصل لا يحتاج إلى كتابة ولكن الواقع يلزم ذلك- أن يكتب: في حال الخلاف المرجع فيه للشريعة على نحو ما.
لكن عقد الزواج الشرعي إذا لم يوثق قد لا يكون له أي قوة قانونية، فقد يتلاعب أحد الزوجين بحقوق الآخر، ويضيق عليه ويستغل ضعفه، لذلك كان التسجيل المدني للعقد الشرعي، للتوثيق من جهة وتثبيت الحقوق بينهما دون أن يتحكم أو يتعسف أو يعتدي أحد على الآخر.
وكم من مرة يرفض الزوج طلاق الزوجة ويضر بها ويعضلها ويضيق عليها ليضيع بعض حقوقها أو كلها، ذلك أن الطلاق أصلا في الإسلام بيد الرجل، لكنه يثبت في المحكمة الشرعية، وإذا أرادت الزوجة الطلاق لها أن ترفع أمرها إلى المحكمة والقاضي الشرعي المعين من قبل الدولة، وأما في الغرب فلا قاضي شرعي ذا سلطة يمكن أن ينصفها ويحمل زوجها على طلاقها ورد حقوقها.
فلو نظرنا إلى واقع الأقليات المسلمة في الغرب، وعلمنا أنه ليس كل الأزواج مستعدا ليلتزم بمقتضيات العقد الشرعي اختيارا وتطوعا من غير سلطان القانون، ولعدم وجود محاكم شرعية وسجلات مدنية معترفا بها كما الحال في بلاد المسلمين وجب لزم تسجيل عقد الزواج الشرعي في السجلات المدنية.

تكييف الزواج الشرعي والمدني:
يجب أن يكون مرجع الزوجين عند الزواج والطلاق القرآن والسنة باعتبارهما مسلمين أولا ولأنهما قد عقدا عقدهما على الكتاب والسنة واتفقا على ذلك من أول يوم. فهو عقد واتفاق ملزم شرعا وملزم قانونا.
ولإزالة اللبس في هذا المفهوم يوصى الزوجان بكتاب شرط في عقدهما أن يكون القرآن والسنة مرجعهما عند أي خلاف في مستقبل حياتهما الزوجية.
والزواج المدني ما هو إلا توثيق للزواج الشرعي وتسجيل له وحفظ للحقوق. وكل ما أباحه القانون واعتبره جائزا لا يدل على الإباحة الشرعية، كزواج الأخت بالرضاعة إذ لم ينص عليه القانون الأمريكي وغيره من القوانين الغربية ولكنه محرم شرعا.
بناء على ذلك يجب على الزوجين أن يتفقا عند الزواج أن يكون زواجهما وحياتهما وعلاقاتهما وتصرفاتهما بحسب الشريعة، وأن تكون مرجعهما في حياتهما الزوجية خاصة عند الخلاف والطلاق والفراق، ويستحسن أن يوثق ذلك قانونا، وينبغي أن يكون لهما مرشد شرعي من العلماء من أهل الاختصاص والخبرة.
والاتفاق بين الخاطبين قبل الزواج يسمى باتفاق ما قبل الزواج "prenup agreement"، وهو مقبول قانونا وشرعا، ويجب ألا تحوي على ما يخالف الشرع أو القانون، وهذا ممكن وميسر.

حكم الزواج المدني وحده:
من المعلوم أن كل دولة لها قوانينها التي تطبق على مواطنيها ويجب على المواطنين التزام تلك القوانين وعدم مخالفتها، وإلا تعرضوا لمساءلة القانون ويمكن أن يقع الضرر عليه. وقوانين الأحوال الشخصية في الغرب أصبحت قوانين مدنية لا تتعلق بديانة المواطن. ولكنها تختلف من دولة لدولة أخرى في مدى احترام الدين واعتبار الزواج في المسجد أو الكنيسة وغيرها.
وفي أمريكا يسجل العقد في المدينة، ثم للزوجين أن يعقداه في مسجد أو كنيسة أو أمام القاضي المدني أو عمدة المدينة أو كاتب المدينة المخصص لذلك، فالأمر يرجع للزوجين والدين محترم.
وللزوجين أن يضعا ما شاءا من الشروط والاتفاقات قبل الزواج، ويوثقان ذلك عند كاتب العدل، ويحترم ذلك قانونا وقضاء، وتعتبر تلك الاتفاقات ملزمة بشرط عدم مخالفتها للقانون.
والزواج المدني في أي دول ما دام لا يصادم الشريعة يعتبر زواجا شرعيا، فقد اعتد النبي صلى الله عليه وسلم بزواج الجاهلية، ولم يجدد عقدا واحدا منها، ولكن القرآن ألغى أنواعا محرمة من الزواج كزواج الرجل امرأة أبيه بعد موته، والجمع بين المرأة وأختها، كما حرم الرسول الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها.
ولو اختلت بعض الشروط في العقد المدني كشرط الولي والمهر وما إلى ذلك، ولو لم يتفق عليها عند العقد، فلا نعتبر ذلك مبطلا لعقد الزواج المدني ومفسدا له، بل نعتبر ذلك الزواج صحيحا محافظة على أنكحة الناس وعقودهم وإعمال تصرفاتهم ما أمكن خاصة إذا اتفق مع مقاصد الشريعة ولم يصادم نصوصها القطعية. وفي هذا يقول الإمام الجويني: (فأما القول في المناكحات، فإنا نعلم أنه لا بد منها كما أنه لا بد من الأقوات، فإن بها بقاء النوع كما بالأقوات بقاء النفوس، وإذا أشكل في الزمان الشرائط المرعية في النكاح، ولم يأمن كل من يحاول نكاحاً أنه مخل بشرط معتبر في تفاصيل الشريعة، فلا تحرم المناكح، فإنا لو حرمناها لحسمناها، ولو قلنا ذلك لسببنا إلى قطع النسل وإفناء النوع، ثم لا تعف النفوس عموماً فتسترسل في السفاح إذا صُدت عن النكاح) .
وعقد الزواج -المدني والشرعي- عقد رضائي كباقي العقود يتم باتفاق الطرفين، يوجب الوفاء به ما دام لا يصادم نصا شرعيا بمقتضى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}. ولكنه أيضا يلزم الطرفين بالرجوع إلى القانون إذا لم يستطيعا حل خلافهما بالتراضي والاتفاق.
وكذلك فإن تسجيل العقد في المدينة، له آثاره وأحكامه، ولا يستهان بذلك التسجيل، لأنهما أصلا أصبحا تحت دائرة القانون في موضوع العقد، وكأنهما ارتضيا بالقانون مرجعا كشروط إضافية، يجب إعمالها لا سيما عند الطلاق.
والمعلوم فقهيا أن شروط عقد الزواج من أعظم الشروط، ومما يجب الوفاء به أكثر من غيرها، ففي الحديث المتفق عليه: (إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا) . والقاعدة الفقهية تقول: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً). ولقول عمر رضي الله عنه لمن شرط لزوجه أن يسكنها دارها، ثم أراد نقلها إلى داره، فتخاصما لدى عمر، فقال: "لها شرطها" فقال الرجل: إذا يطلّقْننا؟ فأجابه عمر: "مقاطع الحقوق عند الشروط، ولك ما شرطت" .
ولما كان الطلاق في أمريكا والغرب عموما بيد القاضي المدني، علم أنه أن الطلاق يملك التطليق قانونا، فكأن الزوج أعطى القاضي تفويضا بإيقاع الطلاق عند تحقق أسبابه. وهذا إعمال للعرف من جهة، لأن القانون كالعرف يجب إعماله ما لم يصادم نصا أو اتفاقا من قبل العاقدين بخلافه. يقول الشيخ أحمد الزرقاء في شرح القواعد الفقهية (في كل محل يعتبر ويراعى فيه شرعاً صريح الشرط المتعارف، وذلك بأن لا يكون مصادماً للنص بخصوصه، إذا تعارف الناس واعتادوا التعامل عليه بدون اشتراط صريح فهو مرعي، ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح).
يقول الدكتور محمد مصطفى شلبي: (والطلاق مما يقبل الإنابة، فكما جاز له أن يوقعه، جاز أن ينيب عنه غيره في إيقاعه، سواء أكان ذلك الغير هو الزوجة أو شخصاً آخر) .
والقوانين كلها في العصر الحاضر تلزم بتوثيق الطلاق كتوثيق الزواج. ويجيز القانون الطلاق بالتراضي والاتفاق، ولكن عند عدم التراضي والاتفاق على الطلاق وآثاره ولم يرض أحدهما بإيقاعه -غالبا الزوج-، فالقانون يتدخل بطلب من الزوجين أو بطلب أحدهما، ويحكم القاضي بما يراه مناسبا بحسب القانون المختص بالموضوع. وقد يوقع الطلاق المدني، ويعتبر ذلك الطلاق وثيقة شرعية يجب قبولها وإعمالها شرعا، وتعين الإمام على إعطاء الطلاق الشرعي.
وكثيرا ما يدعي الزوج بعد صدور الطلاق المدني أنه لم يطلقها شرعا، وأنه مكره على الطلاق، وربما استشعرت الزوجة بالحرج من ذلك وظنت أنها لم تطلق بعد، وتظن انها معلقة ما لم تجد طلاقا شرعيا.
وقد وقع طلاق مدني بين أزواج وبقيا على اتصال زوجي بعده، اعتقادا منهما انهما ما زالا زوجين بحسب الشريعة.
ولذلك لا بد من تكييف الحالة الشرعية بينهما زواجا او طلاقا، أو إصدار طلاق شرعي بعد الطلاق المدني يقطع دائرة الشك والحرج والظن والتخمين، إذا أراد الزوجان أو أحدهما التحقق من ذلك.
فإذا اتفقا بعد ذلك على توثيق الطلاق الشرعي وثق، وإن لم يتفقا فعلى الإمام أن يعطي طالب الطلاق الشرعي وثيقة طلاق شرعي بائن بينونة صغرى.
وتكييف طلاق القاضي عند الإمام في هذه الحالة أنه طلاق شرعي للضرورة، لتعسف الزوج برفض التطليق الشرعي الرضائي، أو رفض كل من الزوجين من إعطاء الآخر حقوقه الشرعية، وكذلك باعتبار الاتفاق عند توثيق عقد الزواج مدنيا والرجوع إلى القانون عند الضرورة، خاصة عند عدم التزام أحد الطرفين بمقتضيات العقد الشرعي، وعند ذلك فإن التزام أحكام القانون أصبح ضرورة شرعية وواجباً شرعاً، بشرط ألا يخالف نصاً شرعياً أو قاعدة شرعية ولا مقصدا شرعيا.

إن تسجيل الزوجين عقد الزواج في السجلات المدنية، قبول ضمني بالقانون المدني، ومن ذلك جعل أمر الطلاق بيد القاضي وإن كان غير مسلم، لأنه من باب تفويض الطلاق إليه، شرط أن يكون بمقتضى الشرع وألا يخالف نصا شرعيا، والتفويض في التطليق جائز شرعا. وعقد الزواج المسجل مدنيا وشرعيا يعطي الطرفين حقوقا شرعية وقانونية يجب عليهما الالتزام بها. ومن جملتها أيضا حق الطرف الآخر بطلب الطلاق لسبب مشروع.
والأصل أنه عند طلب الطلاق تحكيم شرع الله كما مر سابقا، وتحكيم إمام فقيه، وعلى الزوجين أن يقبلا بنتائج التحكيم، وعلى المسلمين في الغرب أن يضعوا آليات للتقاضي والتحكيم والاستئناف بحيث يتم التأكد من تطبيق الأحكام الشرعية بشكل سليم وعادل.
وفي أغلب الحالات التي تواجه الأئمة وفيها حرج شديد للإمام ولطالب الطلاق خاصة الزوجة، التي تواجه تعسفا وعضلا وتعليقا وإضرارا، وتحكما بها وابتزازا ليذهب ببعض حقوقها من مؤخر الصداق ونفقة ومتعة، أو لتدفع له المال زائدا عما أعطاها، أو يأخذ منها حضانة الأولاد وما شابه ذلك؛ لا حل لتلك المعضلة إلا أن ترفع الزوجة طلبا بالطلاق للمحكمة، وتقضي بالطلاق، وهذا التعسف من أي طرف مرفوض في الشريعة، وإبقاء المظلوم من غير حل عادل يرفع عنه الظلم والضرر، يدعو إلى التناقض في الأحكام، بحيث تكون مطلقة قانونيا وغير مطلقة شرعا، ولذلك ينبغي أن يعتبر الطلاق المدني مسوغا شرعيا لإصدار طلاق شرعي، إذا استكمل شروطه الشرعية، وللإمام الفقيه الحق أن يصدر طلاقا شرعيا بمقتضاه، وأن يكمل النظر في باقي الحقوق والاحكام الشرعية كالعدة وبيان نوع الطلاق وعادة ما يكون الطلاق بائنا بينونة صغرى.
إن عدم إعمال الطلاق المدني بالنسبة للمسلمين في الغرب وعدم إمكان الإمام أن يطلق على الزوج عند الضرر، يجعل الزوجة معلقة طوال حياتها لا تستطيع أن تخرج من الضرر والظلم الواقع عليها طوال حياتها، ويجعل أمر طلب الطلاق عند الشقاق والنزاع والعسر في النفقة وغيره من الأسباب وحصولها عليه من قبلها أمرا مستحيلا، مما يفقدها حقا شرعيا من حقوقها، وهذا مخالف للعدل الشي جاءت به الشريعة ودعت إليه بل وجاءت من أجله، بل هذا مخالف لطبيعة عقد الزواج وإن كان مؤبدا أساسا ولكنه يقبل الطلاق والانحلال إذا دعت لذلك ضرورة او مسوغات شرعية.
والخلاصة أنه يجب على الطرفين أن يرفعا أمرهما إلى الإمام والقضاء الشرعي. وإذا لم يوجد أو لم يرض الطرف الآخر بالتحاكم إلى الشريعة كان الإثم عمن لم يرض بالتحاكم إلى الشريعة، وإن أخذ أي شيء من الطرف الآخر فوق الحقوق الشرعية قد يكون حراما. وعندها يكون الطرف الآخر مضطرا للوقوف أمام القاضي غير المسلم وهو عذر شرعي يرفع عنه الإثم لكنه لا يبطل حق الآخر فيما لو قضى القاضي بغير الحق.
نص قرار المجلس الأوروبي للإفتاء في حكم تطليق القاضي غير المسلم :
"الأصل أن المسلم لا يرجع في قضائه إلا إلى قاض مسلم أو من يقوم مقامه، غير أنه بسبب غياب قضاء إسلامي حتى الآن يتحاكم إليه المسلمون في غير البلاد الإسلامية، فإنه يتعين على المسلم الذي أجرى عقد زواجه وفق قوانين هذه البلاد، تنفيذ قرار القاضي غير المسلم بالطلاق، لأن هذا المسلم لمّا عقد زواجه وفق هذا القانون غير الإسلامي، فقد رضي ضمناً بنتائجه، ومنها أن هذا العقد لا يحل عروته إلا القاضي. وهو ما يمكن اعتباره تفويضاً من الزوج جائزاً له شرعاً عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك؛ لأن القاعدة الفقهية تقول (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) وتنفيذ أحكام القضاء ولو كان غير إسلامي جائز في باب جلب المصالح ودفع المفاسد وحسماً للفوضى، كما أفاده غير واحد من حذاق العلماء كالعز بن عبد السلام وابن تيمية والشاطبي".
وأما قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا في نص بيانهم الختامي للمؤتمر الثاني لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، المنعقد بكوبنهاجن- الدانمارك مع الرابطة الإسلامية، في الفترة من 4-7 من شهر جمادى الأولى لعام 1425هـ الموافق 22-25 من يونيو لعام 2004 م:
"أنه يرخص في اللجوء إلى القضاء الوضعي عندما يتعين سبيلا لاستخلاص حق أو دفع مظلمة في بلد لا تحكمه الشريعة، شريطة اللجوء إلى بعض حملة الشريعة لتحديد الحكم الشرعي الواجب التطبيق في موضوع النازلة، والاقتصار على المطالبة به والسعي في تنفيذه ".
وجاء فيه: " المحور السابع: مدى الاعتداد بالطلاق المدني الذي تجريه المحاكم خارج ديار الإسلام:
بَيَّن القرار أنه إذا طلق الرجل زوجته طلاقا شرعياً فلا حرج في توثيقه أمام المحاكم الوضعية، أما إذا تنازع الزوجان حول الطلاق فإن المراكز الإسلامية تقوم مقام القضاء الشرعي عند انعدامه بعد استيفاء الإجراءات القانونية اللازمة، وأن اللجوء إلى القضاء الوضعي لإنهاء الزواج من الناحية القانونية لا يترتب عليه وحده إنهاء الزواج من الناحية الشرعية، فإذا حصلت المرأة على الطلاق المدني فإنها تتوجه به إلى المراكز الإسلامية وذلك على يد المؤهلين في هذه القضايا من أهل العلم لإتمام الأمر من الناحية الشرعية، ولا وجه للاحتجاج بالضرورة في هذه الحالة لتوافر المراكز الإسلامية وسهولة الرجوع إليها في مختلف المناطق" انتهى.
=================
حكم القضاء في بلد غير مسلم بشكل عام
لكن الشريعة اعتبرت تغير الزمان والمكان والأعراف والعادات والأحوال وفساد الزمان وصلاحه وفساد الذمم، فيحتاج الطرفان إلى سلطان يرفع الظلم عنها عند عدم قبول أحدهما بتنفيذ العقد الشرعي.
إن من أثر وجود المسلمين في الغرب عموما يقتضي وجود خلافات وخصومات بينهم، ويجب أن يحلوا خلافاتهم بمقتضى شريعة ربهم، ولكن عند عدم القدرة على تحصيل الحق بالاختيار فيجوز أن يستعان بالقاضي غير المسلم درء للمفاسد وإقامة لمصالح المسلمين.
يقول العز بن عبد السلام: "ولو استولى الكفار على إقليم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله، جلباً للمصالح العامة ودفعاً للمفاسد الشاملة. إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح العباد تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها ممن هو أهل لها. وفي ذلك احتمال بعيد" .
وسيلحق في ورقة لاحقة.

=====================